اعتداءات الاحتلال على الزراعة الفلسطينية، دفعت وزارة الزراعة الفلسطينية اليوم الخميس إلى إصدار تقريراً صادماً يوثق حجم الدمار الواسع في القطاع الريفي. وبناءً على البيانات الرسمية، فقد تصاعدت اعتداءات الاحتلال على الزراعة الفلسطينية لمستويات غير مسبوقة خلال الأسبوع الثالث من ديسمبر. وعلاوة على ذلك، شملت هذه الهجمات اقتلاع وتجريف آلاف الأشجار المثمرة وتدمير البنى التحتية المائية الحيوية. ومن هذا المنطلق، حذرت الوزارة من كارثة إنسانية تستهدف الأمن الغذائي للفلسطينيين في سياق تصعيد ممنهج وخطير.
أولاً: حصيلة الأشجار المقتلعة.. الزيتون في عين العاصفة
وثق التقرير الأسبوعي اقتلاع وتجريف نحو 8 آلاف و288 شجرة في مناطق متفرقة بالضفة الغربية. وفي الواقع، فإن غالبية هذه الأشجار هي من الزيتون الذي يمثل رمزاً للصمود الوطني. ونتيجة لذلك، سجلت بلدة السيلة الحارثية الخسارة الأكبر باقتلاع 5 آلاف شجرة زيتون بضربة واحدة. وبالإضافة إلى ذلك، تعرضت بلدة ترمسعيا شرق رام الله لاقتلاع 3 آلاف شجرة أخرى في وقت قياسي.
ومن ناحية أخرى، لم تقتصر هذه الانتهاكات على المناطق الكبرى فقط بل طالت القرى الصغيرة. فعلى سبيل المثال، تم قطع 13 شجرة زيتون في قرية الفندق شرق قلقيلية بأساليب وحشية. وكذلك، جرى تدمير 156 شجرة في بلدة مخماس شرق القدس المحتلة لمنع المزارعين من الوصول لأرضهم. وفضلاً عن ذلك، سجلت بلدتا رامين والنزلة الشرقية بطولكرم اقتلاع 100 شجرة تين مثمرة كانت تشكل مصدر دخل أساسي.
ثانياً: استهداف الأشجار المعمرة.. محو التاريخ الفلسطيني
بالإضافة إلى ما سبق، ركز التقرير على تعمد استهداف الأشجار “المعمرة” التي يمتد عمرها لمئات السنين. وبناءً عليه، تندرج هذه الأفعال ضمن اعتداءات الاحتلال على الزراعة الفلسطينية الهادفة لطمس الهوية التاريخية للأرض. وفي الوقت نفسه، جرى تجريف 9 أشجار معمرة أخرى في منطقة المنيا جنوب شرق بيت لحم. ونتيجة لهذه السياسة، يسعى الاحتلال إلى تغيير معالم الجغرافيا الفلسطينية وفرض واقع استيطاني جديد.
ثالثاً: تدمير البنية التحتية المائية والأمن الغذائي
وعلاوة على استهداف الغطاء النباتي، طالت الهجمات مصادر المياه التي يعتمد عليها الفلاحون في ري محاصيلهم. وبناءً على توثيق الوزارة، فقد هدم جيش الاحتلال 13 بئر مياه زراعية تستخدم للري ولشرب المواشي. ومن ثمّ، تم تدمير غرف زراعية وشبكات ري كاملة وسرقة خطوط ومضخات مياه أساسية من الحقول. ونتيجة لذلك، أصبح مئات المزارعين عاجزين عن حماية محاصيلهم المتبقية من الجفاف والتلف.
إضافة إلى ذلك، سجل التقرير سرقة 82 خلية لتربية النحل وتسميم أعداد كبيرة من الأغنام. وبالتالي، فإن هذه الاعتداءات لا تستهدف الأشجار فقط بل تستهدف سبل العيش اليومية للمواطن البسيط. ومن جهة أخرى، وصفت الوزارة هذه الممارسات بأنها سياسة ممنهجة لتفريغ الأرض من سكانها الأصليين قسرياً.
رابعاً: الخسائر المالية.. 7 ملايين دولار في 7 أيام
قدرت وزارة الزراعة الفلسطينية المجموع الكلي للخسائر الناجمة عن هذه الهجمات بنحو 7 ملايين دولار. وبناءً عليه، فإن هذه التكلفة الضخمة تضع عبئاً ثقيلاً على الاقتصاد الفلسطيني المنهك في ظل الحصار. وفضلاً عن ذلك، فإن هذه الأرقام لا تشمل القيمة المعنوية للأشجار المعمرة التي لا تعوض بمال. ومن هذا المنطلق، طالبت الوزارة المؤسسات الدولية بالتدخل الفوري لوقف استنزاف الموارد الوطنية الفلسطينية.
خامساً: السياق السياسي والأهداف الاستراتيجية للاحتلال
في الحقيقة، تندرج كافة اعتداءات الاحتلال على الزراعة الفلسطينية ضمن خطة استراتيجية للسيطرة الكاملة على مناطق “ج”. وبما أن القطاع الزراعي هو العمود الفقري للاقتصاد القروي، فإن ضربه يعني إضعاف قدرة الشعب على الصمود. وعلى الرغم من المناشدات المستمرة، إلا أن المستوطنين يواصلون جرائمهم تحت حماية مباشرة من جيش الاحتلال. ونتيجة لذلك، تحولت القرى والبلدات إلى ساحات مواجهة يومية للدفاع عن شجرة الزيتون.
ومن ناحية أخرى، يرى مراقبون أن توقيت هذه الهجمات في ذروة الشتاء يهدف لمنع استصلاح الأراضي. وبالتالي، يتم فرض واقع ميداني يسهل عملية المصادرة لصالح التوسع الاستيطاني غير القانوني. إضافة إلى ذلك، تساهم هذه الأفعال في زيادة معدلات الفقر والبطالة بين الأسر الريفية التي تعتمد على الأرض.
سادساً: ردود الفعل الرسمية والمطالبات الدولية
بالانتقال إلى الموقف الرسمي، شددت الوزارة على ضرورة توثيق كل جريمة قانونياً لرفعها إلى المحافل الدولية. وبناءً على ذلك، دعت المنظمات الحقوقية والبيئية حول العالم للوقوف عند مسؤولياتها تجاه المزارع الفلسطيني المظلوم. ومن جهة أخرى، أكدت الوزارة أنها ستوفر كل الدعم الممكن لإعادة استصلاح ما دمره العدوان فوراً. وعلاوة على ذلك، أطلقت نداء استغاثة لتوفير أشتال زيتون بديلة وشبكات ري حديثة لإنقاذ الموسم.
سابعاً: صمود المزارع الفلسطيني.. تحدي الجرافة بالشجرة
في نهاية المطاف، يظل الفلاح الفلسطيني هو حارس الأرض الحقيقي وخط الدفاع الأول عن كرامتها. وعلى الرغم من اقتلاع آلاف الأشجار، إلا أن هناك إصراراً شعبياً على إعادة الزراعة في كل شبر مجرف. وبناءً على ما تقدم، أصبحت زراعة شجرة بدلاً من كل شجرة مقتلعة شعاراً وطنياً يكسر آلة الهدم. ومن ثمّ، تتحول كل شتلة جديدة إلى رسالة تحدٍ تؤكد الحق الفلسطيني التاريخي والأبدي في هذه الأرض.
باختصار، يمثل شهر ديسمبر 2025 أحد أقسى الشهور التي مرت على المزارع الفلسطيني الصامد في أرضه. وبناءً عليه، فإن حجم الدمار الذي خلفه المستوطنون يتطلب تحركاً دولياً عاجلاً لوقف هذه المأساة البيئية. وأخيراً، سيبقى الزيتون شاهداً على الجريمة ورمزاً للحياة التي لا تقبل الانكسار مهما بلغت التضحيات.

