المعمرة الفلسطينية الحاجة رايقة ابو جاموس، هي امرأة اختصرت وقار وطن كامل، يرفض هذا الوطن الانكسار رغم النكبات، تبلغ من العمر اثنان وتسعون عاما، الا ان اصابعها تطرز الامل بغرز دقيقة، وفي لقاء خاص مع موقع “غربة نيوز”، تظهر الحاجة وهي تمسك بابرتها بقوة، وكانها تمسك بمفتاح بيتها العتيق، وحولها تتناثر مشغولات يدوية جميلة، وهي مشغولات تشبه سكون بيارات البرتقال القديمة، وبالاضافة الى ذلك، فان هذه السيدة لا تطرز القماش فحسب، بل هي تدون تاريخ قرى دمرها الاحتلال، ونتيجة لذلك، اصبحت كل قطعة تخرج من تحت يدها وثيقة وطنية، وهي وثيقة تثبت ان فلسطين باقية في الصدور.
صمود الابرة امام شاشات الالم
تسمر المعمرة الفلسطينية الحاجة رايقة عينيها امام التلفاز، حيث تتابع بقلب مرتجف انباء غزة الجريحة، وهي تتابع اليوم تفاصيل الابادة الجماعية الممنهجة، وبينما تتسابق الدموع على وجنتيها المحفورتين، تظل يدها تتحرك بالخيط والابرة بانتظام، وصرحت لـ “غربة نيوز” انها ترى التطريز نضالا صامتا، وهو سلاح ثقافي لا يمكن للاحتلال طمسه، وعلاوة على ذلك، فان كل ثوب تصممه يحمل خريطة لبلدة عريقة، ومن الجدير بالذكر ان هذه المعمرة تعيش في مصر، الا ان روحها لم تغادر بئر السبع او رفح، ونتيجة لهذا الوفاء، تظل رمزا ملهما للاجيال القادمة.
ان الالم الذي يعتصر قلب المعمرة الفلسطينية الحاجة رايقة كبير، فهو يتجاوز ذكريات اللجوء ليصل الى قلق الحاضر، فهي ام لتسعة ابناء ومنهم ثلاث بنات في غزة، وهن يعشن حاليا تحت وطاة القصف العنيف، وهي لا تعلم عن مصيرهن شيئا الان، وفي ظل انقطاع الاتصالات تظل الحاجة مراقبة للوجوه، وهي تخشى ان تلمح ملامح بناتها بين الشهداء، وبالرغم من هذا الثقل النفسي تظل صامدة، وتؤكد بصوت متهدج ان الارض لا تترك للمغتصب، وبناء على ذلك، فان رسالتها للعالم هي الصبر والعمل، ونتيجة لهذا الايمان، تصبح حياة المعمرة الفلسطينية الحاجة رايقة قصة رائعة ترويها الاجيال.
عبقرية بيت الصوف المتنقل
تسترسل المعمرة الفلسطينية الحاجة رايقة في حكاية اللجوء، وهي رحلة بدات بسبب ملاحقة زوجها الفدائي المناضل، ذلك الرجل الذي نذر حياته للدفاع عن فلسطين، بدات تلك الرحلة من بئر السبع الى الاردن، ومن ثم انتهى بهم المطاف في مصر، وفي تلك السنوات اخترعت الحاجة وسيلة للبقاء، حيث كانت تغزل بيوت عائلتها من صوف الماعز، لتكون منازل خفيفة يمكن طيها بسرعة، وكان يتم وضعها فوق ظهر الجمال عند الخطر، وبالاضافة الى ذلك، فان هذه البيوت كانت تحمل رائحة الكرامة، ونتيجة لذلك، اصبح “بيت الصوف” رمزا للذكاء الفطري.
لم يكن تصميم تلك البيوت مجرد حرفة يدوية، بل كان ابداعا معماريا يراعي تقلبات الفصول، فمنزل الشتاء كان يحاط بالبلاستيك لصد الامطار، ومنزل الصيف كان يتميز بفتحات التهوية الكثيرة، ومن ناحية اخرى، فان هذه المهارة ولدت معها منذ الطفولة، وعلاوة على ذلك، فانها تعتبر كل غرزة رصاصة ضد النسيان، وبناء على ذلك، تحولت حرفتها الى قضية وجودية كبرى، ونتيجة لهذا الشغف، لم يمنعها العمر من العمل الطويل، فهي تجلس لاكثر من عشر ساعات يوميا للتعليم، وذلك لضمان انتقال الامانة الى يد الاجيال الجديدة.
مفتاح العودة ووصية الاجيال
ورغم المسافات البعيدة عن ثرى الوطن الغالي، الا ان المعمرة الفلسطينية الحاجة رايقة تمسك بالمفتاح الصدئ، وهو مفتاح منزل والدتها القديم في خان يونس، وبالاضافة الى ذلك، تحتفظ بقطع نقدية فلسطينية قديمة جدا، ومن الجدير بالذكر ان وصيتها مكتوبة بخط اليد، وهي توصي ابناءها بالعودة الحتمية الى الديار، فالموت في نظرها هو محطة انتظار للقاء الارض، وبناء على ذلك، تزرع في نفوس احفادها يقينا راسخا، وهو يقين بان الغربة حالة مؤقتة ستنتهي يوما، وان الوطن هو الحقيقة الثابتة في هذا الكون.
يتحلق الاحفاد الصغار حول جدتهم المعمرة دائما، يستمعون لقصص البطولات والصمود بكثير من الشغف، يتعلمون من المعمرة الفلسطينية الحاجة رايقة معاني الانتماء، وعلاوة على ذلك، تصر الجدة على تعليمهم اصول المهنة، ونتيجة لهذا التوجيه، اصبح منزلها في مصر منارة للوعي، ومن ناحية اخرى، تشعر بالفخر حين ترى احفادها صامدين، وبناء على ذلك، فان السلسلة النضالية لن تنقطع ابدا، ونتيجة لهذه الروح، تظل المعمرة الفلسطينية الحاجة رايقة حارسة امينة للعهد، وهي تظل شاهدة على تاريخ لن يمحوه الزمن.
غزة العزة: تاريخ عريق لا يقبل الانكسار
ان الحديث عن فلسطين لا يكتمل دون ذكر غزة، تلك المدينة التي تعتبر من اقدم مدن العالم، والتي سطرت ملاحم من العظمة الحضارية والسياسية، تقع غزة في موقع استراتيجي يربط القارات ببعضها، مما جعلها مطمعا للغزاة ومحطا للقوافل التجارية الكبرى، وبناء على ذلك، فان تاريخ غزة يمتد للعصور الكنعانية، حيث اسسها الكنعانيون واطلقوا عليها اسم “هزاتي”، ومنذ ذلك الحين وهي مركز ثقافي لا يضاهى، ومن الجدير بالذكر ان غزة شهدت تعاقب حضارات الفراعنة والرومان، وظلت دائما شامخة في وجه كل العواصف.
لقد اكتسبت غزة مكانة دينية بكونها “غزة هاشم”، نسبة الى جد الرسول الكريم الذي دفن في تربتها، وعلاوة على ذلك، فان عظمة غزة تكمن في نهوضها، فهي تخرج من تحت الركام في كل مرة، وقد كسرت اسوار غزة كبرياء جيوش الصليبيين والمغول قديما، وظلت حارسة للبوابة الجنوبية لفلسطين ومصدرا للالهام، ومن ناحية اخرى، فان الانسان الغزي يمتلك ارادة صلبة، وهي تشبه ارادة المعمرة الفلسطينية الحاجة رايقة في التطريز، وبناء على ذلك، فان غزة اليوم تدافع عن كرامة البشرية.
في العصر الحديث، تظل غزة هي الرمز الحي للمقاومة، فبالرغم من سنوات الحصار ترفض المدينة الركوع، وهي تؤكد في كل يوم عظمتها التاريخية الراسخة، ان البيوت التي كانت تصممها المعمرة الفلسطينية الحاجة رايقة ابداع فريد، وهي امتداد لعبقرية هذا الشعب الذي يطوع الصعاب، ان تاريخ غزة هو سجل حافل بالبطولات والابتكارات، وهو يؤكد ان المدن العظيمة لا تسقط ابدا، وان فجر الحرية سيشرق حتما من انقاضها، ليعيد كتابة تاريخ العدالة فوق هذه الارض الطاهرة، وهي الارض التي لا تنسى ابناءها المخلصين.
حوار إنساني:هدى منصور

