
تعد قضية جيفري إبستين اليوم “العقدة العمياء” في لغز السياسة الأمريكية.
يرى المراقبون أن هذا الملف ليس مجرد قضية جنائية مركونة على الرفوف المنسية.
بل إن الأطراف المتصارعة حولته إلى “سلاح ذو حدين” يُشهر في وجه الكبار كلما ضاقت بهم السبل السياسية.
وهكذا أصبحت القضية تشبه ما يقال باللهجة المصرية “البلاوي المتلتلة” التي لا تتوقف عند فضائح الأخلاق.
إضافة إلى ذلك، فهي تمتد لتكون المحرك الخفي الذي يوجه قرارات الحرب والسلم في العالم.
ومع مطلع عام 2026، حين “طفت” هذه الملفات من جديد، أخرج المسربون “خيسة” الوثائق إلى العلن.
وبناءً على هذا، لم يعد التوقيت مجرد صدفة عابرة في الحسابات السياسية.
ونتيجة لذلك، بدأت التساؤلات تنهش في عقول المراقبين حول الرابط بين الفضيحة والتصعيد العسكري.
فهل صاغت الإدارة التصعيد الأخير ضد إيران كاستراتيجية دفاعية حقيقية؟
أم أن البيت الأبيض استخدم “شمرة عصا” سياسية للهروب من فضيحة إبستين التي بدأت تحاصره؟
وبالمثل، هل لعبت مراكز القوى أوراق هذه القضية كـ “خطة بديلة” لخلط الأوراق وتشتيت الأنظار؟
لذلك، يبدو أن هناك جهات تريد إقناع العالم بأن “صوت المدافع” هو الوحيد القادر على التغطية على “وشوشات” الفضائح.
الفضيحة كدافع للتصعيد: “نظرية الهروب للأمام”
تعد قضية جيفري إبستين اليوم الدافع لرمي “قنبلة” الوثائق التي كشفتها وزارة العدل في مطلع عام 2026.
وعلاوة على ذلك، لم يكن هذا التوقيت عابراً، بل حشر الرئيس ترامب في “خانة ضيقة” ومأزق داخلي.
لذا، يرى المحللون أن الإدارة لجأت لخيارات “الخشنة” مع إيران كمحاولة لخلط الأوراق.
ويهدف القادة من ذلك إلى تحقيق مآرب سياسية وسط هذه “الهوسة” العارمة.
ومن ناحية أخرى، تعتمد لعبة “التشويش” الإعلامي على سحب البساط من تحت أخبار “جزيرة إبستين”.
وبالتبعية، يريدون تحويل أنظار الشارع إلى “الأمن القومي” وطبول الحرب المشتعلة.
إنه التكتيك القديم؛ حيث يصنع القائد ضجيجاً بالمدافع لكي يغطي على “وشوشات” الفضائح الشخصية.
وحين بدأت الأرض تتزلزل تحت أقدام أنصاره بسبب ورود أسماء مقربة مثل بانون ولوتنيك، استعرض ترامب عضلاته ضد إيران.
لأن هذه الخطوة تمثل محاولة لترميم صورته كـ “قائد قوي” أمام جمهور بدأ يتشاءم من التسريبات.
وفضلاً عن ذلك، تهمس فرضيات بأن أطرافاً دولية تمتلك وثائق “تكسر الظهر” وحساسة للغاية.
ولهذا السبب، قد يدفعه التصعيد ضد إيران كثمن لضمان “طمطمة” ما تبقى من أسرار محرجة “ما إلها والي”.
وكأنه يقدم بهذا الفعل تنازلاً استراتيجياً لكي يتجنب فضيحة كبرى.
من هم المسربون؟ وما هي أهدافهم؟
تعد قضية جيفري إبستين اليوم ساحة لنبش هذه القبور الورقية التي “شيبت الرأس”.
وبالتأكيد، لم تقم هذه العملية بناءً على ضربة حظ أو صحوة ضمير مفاجئة.
بل إن “دفرات” قانونية وضغوطاً تشريعية هي التي دفعت المستور ليطفو على السطح.
ومع ذلك، فمن الواضح أن أطرافاً خفية هندست هذا التوقيت لغرض في نفس يعقوب.
حيث وضعت هذه الأطراف ترامب في موقف صعب “بين حانة ومانة”.
وفي الوقت ذاته، وجدت وزارة العدل الأمريكية نفسها “مجبورة” تحت مطرقة الكونغرس.
فرمى المسؤولون بهذه الملفات لتبرئة ساحتهم تحت مسمى الشفافية المطلقة.
لكن هذه الخطوة وضعت الإدارة فعلياً في موقف “الدفاع عن النفس” وسط العاصفة.
وبالتوازي مع ذلك، كان الخصوم الديمقراطيون يتحينون الفرصة لـ “قص أجنحة” ترامب قبل الانتخابات.
حيث يسعون لتصويره كجزء أصيل من “النخبة الفاسدة” التي لا ترحم الشعوب.
وعلاوة على ما سبق، دخلت أجهزة استخبارات دولية على الخط لتجيد اللعب بـ “دبلوماسية الابتزاز”.
وكأنها تمسك ترامب من “الايد الي توجعة” لتدفع بوصلة أمريكا نحو صدام مباشر مع إيران.
وحتى داخل المعسكر المحافظ، رفع المنشقون من “الرَبُع” مثل إيلون ماسك أصواتهم بالتحذير.
إذ حذر هؤلاء من أن “الطمطمة” على ملف إبستين ستنهي حركتهم السياسية للأبد.
مما جعل ترامب يشعر بالخطر ويحاول إثبات قوته ليظهر بمظهر “السبع” الذي لا تهزه الريح.
فخ استخباري وليست صحوة ضمير
تعد قضية جيفري إبستين اليوم فخاً استخبارياً وليست مجرد صحوة ضمير عارضة.
أما إذا فتشنا في “البواطن” عن اليد التي حركت هذا الراكد، فسنجد عملاً استخبارياً “نظيفاً” ومدروساً.
ففي دهاليز المخابرات، لا يدفن الضباط الأسرار للأبد.
بل إنهم يتركون الأسرار “تتخلل” ويحتفظون بها في السرداب لليوم الأسود.
لقد أمسكت الأجهزة الاستخبارية، المحلية والدولية، بخيوط هذه الفضيحة بدقة متناهية.
وهي تحرك هذه الخيوط متى ما اقتضت المصلحة كسر إرادة طرف أو إحراج آخر.
وبناءً عليه، لم يمثل نشر الملايين من الصفحات “فزعة” للعدالة.
بل وجهت الأجهزة “ضربة تحت الحزام” تهدف إلى إعادة ترتيب رقعة الشطرنج السياسية.
إذ تعرف هذه الأجهزة جيداً أن ملفاً بأسماء ملوك ورؤساء يمثل “العلاكة” التي تخنق أي قرار سيادي.
لذلك، لعب “الذكاء الاستخباري” دور “الحفار” الذي انتظر لحظة تغريد ترامب خارج السرب.
وبعد ذلك، أخرج له هؤلاء ملفات إبستين بمثابة “كارت أحمر” حاسم.
وبينما يظن البعض أنها محاكمة جنائية، يدرك أصحاب الشأن أنها عملية “تصفية حسابات” كبرى.
حيث استخدم المخططون الوثائق كطعم لجذب الخصوم إلى فخ المواجهة مع إيران.
لكي يجعلوا من دم إبستين وفضائحه الحبر الذي يكتب قرارات الحرب الجديدة في المنطقة.
اخيرا: خيط السمسار وطبل المحارب
تعد قضية جيفري إبستين اليوم دليلاً على أن السياسة في واشنطن هي “لعبة كراسي” خشنة.
وتُحاك خيوط هذه اللعبة في الغرف المظلمة بعيداً عن الشعارات البراقة.
إن الربط بين الفضيحة وقرار الحرب يخبرنا بأن القادة يواجهون أحياناً موقفاً “بين المطرقة والسندان”.
حيث تنهش مطرقة الوثائق في سمعتهم، بينما يضغط سندان القرارات المصيرية لغرض “الطمطمة”.
ونتيجة لذلك، صار دم إبستين هو المحرك الذي يدفع المنطقة نحو تنور الحرب.
وكأن لسان حال الإدارة يقول: “اشعلها ناراً في الخارج، لكي تطفئ حريقاً في الداخل”.
وبينما تنشغل الدنيا بصوت المدافع، يضم القادة الحقيقة في سراديب الاستخبارات.
وهي تنتظر هناك من يسحب خيطاً جديداً ليفك عقدة أخرى من عقد هذا العالم.
وهكذا تجري الأمور دائماً؛ فحين تفوح ريحة “الخيسة” في القصور، يدفع الأبرياء الثمن.
حيث يذهب الشعوب ضحية لـ “فصل سياسي” يدفعه الكبار لتبقى رؤوسهم مرفوعة فوق ركام الحروب.

