رحلة الإسراء والمعراج، في سكون الليل وهدأة الأنفاس، حين يغشى الأرض صمت مهيب، انبلج من مكة نور اخترق حجب الزمن. سطر هذا النور في صفحات الوجود أعظم رحلة عرفتها البشرية؛ رحلة الإسراء والمعراج. هي ليست مجرد انتقال مكاني، بل هي هجرةٌ ملكوتية واتصال مباشر بين عالم الشهادة وعالم الغيب.
رحلة الإسراء: من الكعبة إلى المسجد الأقصى
من جوار الكعبة المشرفة، انطلق المصطفى ﷺ برفق جبريل عليه السلام. امتطى النبي البراق، ذلك الكائن النوراني الذي يضع حافره عند منتهى بصره. كأن الزمان قد طُوي في تلك اللحظة، والمكان قد انحنى تحت وطأة الإرادة الإلهية.
كانت الوجهة إلى المسجد الأقصى، الموطن الذي بارك الله حوله. في قلب بيت المقدس، تجلت عظمة النبوة حين وقف الحبيب إماماً وخلفه الأنبياء والمرسلين. لم يكن ذلك مجرد صلاة، بل كان إعلاناً بانتقال مشعل الهداية إلى خاتم المرسلين. كما أكد ذلك على وحدة الرسالات السماوية التي تصبُّ في نهر الإسلام الواحد.
المعراج: ارتقاء الروح إلى سدرة المنتهى
إذا كان الإسراء أفقياً يربط بين المسجدين، فإن المعراج كان صعوداً عمودياً يخترق السبع الطباق. انفتحت أبواب السماء للنبي الكريم، فكان يلقى ترحيباً من إخوانه الأنبياء في كل سماء. بدأت الرحلة بلقاء آدم أصل البشر، وانتهت عند إبراهيم خليل الرحمن.
تجاوز النبي ﷺ المقامات الكونية كلها، حتى وصل إلى مقامٍ انقطع عنه الوصف عند سدرة المنتهى. هناك في حضرة الجلال، لم ينكسر البصر ولم يطغَ. وتلقى النبي الهدية العظمى لأمته وهي الصلاة. أصبحت هذه العبادة معراجاً يومياً لكل مسلم، يرتفع بها من كدر الدنيا إلى رحاب الخالق.
رحلة الإسراء والمعراجـ ورسالة الأمل والمنح الإلهية بعد عام الحزن
لم تأت هذه المعجزة عبثاً، بل كانت لمسة حنان لقلب النبي ﷺ بعدما ضاقت به الأرض. جاءت الرحلة بعد عام الحزن وفقد النصير، وبعد مرارة رحلة الطائف. كأن الله يقول لنبيه: “إن ضاقت بك أبواب الأرض، فأبواب السماء لا تُغلق”.
رحلة الإسراء والمعراج:
إن الإسراء والمعراج برهان ساطع على أن معية الله تحيط بالصابرين. وهي تؤكد أن المحن ما هي إلا بوابات للمنح العظيمة. ستظل هذه الذكرى منارة تضيء دروب اليقين. كما تذكرنا بأن المسجد الأقصى جزء من عقيدتنا وتاريخنا المعلق بالسماء.
فسلامٌ على صاحب المعراج، وسلامٌ على من أسرى به ليلاً ليرينا من آياته الكبرى.
بقلم: هانم داود

