تقع قرية دار الكتب التابعة لمحافظة القليوبية بالقرب من صخب العاصمة المصرية، هي بقعة ساحرة لم تكتف بكونها مجرد قرية زراعية تقليدية، تحولت هذه القرية عبر العقود الى بورصة عالمية، هي مملكة غير متوجة لانتاج الورد البلدي والمستورد بكافة انواعه، تتميز بخصوصية فريدة لا تجدها في غيرها من القرى، يعمل جميع سكانها في زراعة الزهور، لا يتجاوز عدد السكان 20 الف نسمة، جعل هذا التخصص صيتها يتجاوز الحدود، وصل الصيت الى دول كبرى مثل امريكا والمانيا وايطاليا، تفتح القرية ابوابها مع اقتراب احتفالات راس السنة، تعلن القرية بدء موسم الحصاد الاكبر، ترسم بالوان زهورها لوحة البهجة، ستزين هذه الزهور الفنادق والمنازل في العام الجديد.
تاريخ عريق ومهنة متوارثة
ان قصة نجاح دار الكتب ليست وليدة الصدفة، هي نتاج تاريخ طويل وعريق من العمل الدؤوب، تعتبر زراعة الورد في هذه القرية مهنة متوارثة، لها جذور عميقة في نفوس السكان، يفتح الصغار اعينهم وسط المشاتل الفسيحة، يتعلم الاطفال اسرار المهنة من ابائهم واجدادهم، يحدث ذلك قبل تعلم القراءة والكتابة، جعل هذا التراكم المعرفي من القرية كنزا حيا، هي مخزن لاسرار زراعة الورد، اهل هذا التاريخ القرية لمنافسة دول كبرى، تاتي دولة هولندا على راس هذه الدول، تعد هولندا المصدر الاول للزهور عالميا.
القرية اليوم لا تعرف معنى البطالة، حدث ذلك بفضل هذه التجارة الرابحة، انخرط جميع الشباب في العمل بجدية، معظم هؤلاء الشباب من حملة المؤهلات العليا، هم مهندسون زراعيون لم ينتظروا الوظائف الحكومية، سخر هؤلاء الشباب علمهم لتطوير مشاتلهم الخاصة، قدموا كل ما هو جديد في فنون التهجين، اعتمدوا الزراعة الحديثة في عملهم، حول ذلك القرية الى خلية نحل، تعمل القرية على مدار الساعة، تقدم اجمل ما تجود به الارض.
اسرار الانتاج وشهادات من قلب الميدان
التقينا بنماذج مشرفة من القائمين على هذه المنظومة، حدث ذلك خلال جولتنا الاستقصائية في اروقة القرية، كشف هؤلاء لنا كواليس هذا النجاح الباهر، يقول السيد محمد وهو صاحب احد المشاتل الكبرى، العمل في دار الكتب ليس مجرد زراعة عادية، هو فن وتجارة تتطلب دقة عالية جدا، تشير التقديرات الى مساحة زراعة الزهور بالقرية، تتخطى المساحة حاليا ال 500 فدان، تستقبل القرية في مواسم الاعياد زوارا كثر، يحضر اليها كبار الشخصيات والتجار، تصل قيمة المبيعات في بعض الصفقات الى 100 الف جنيه، يرجع ذلك للجودة الفائقة والانواع النادرة، لا تتوفر هذه الانواع الا في هذه البقعة.
اما كاملة رضوان فهي مزارعة خبيرة في المهنة، تؤكد كاملة ان زراعة الورد لا تفرق بين رجل وامراة، اثبتت النساء جدارة فائقة في الاشراف على الصوب، يقمن ايضا بحصاد المنتج النهائي بدقة، تضيف كاملة انهم يزرعون انواعا عالمية، يزرعون الاوركيد والتيوليب وعصفور الجنة، هذا بالاضافة الى الورد البلدي بالوانه الزاهية، يتم استيراد البذور من هولندا، يضمن ذلك الحفاظ على المعايير الدولية، يساعدهم ذلك على المنافسة في الاسواق الخارجية.
رقابة الجودة واسعار في متناول الجميع
يوضح المزارع علي رمضان نظام الرقابة على الجودة، تمتلك القرية نظاما دقيقا للغاية، يحرص المشرفون الزراعيون على زيارة الفلاحين، يقدمون لهم الارشادات والنصائح بشكل دائم، اي خطا بسيط قد يودي بالمحصول الى الهلاك، يشير رمضان الى ان الاسعار في متناول الجميع، يبدا سعر الزهرة من جنيه واحد فقط، تصل الزهرة المستوردة الى 7 جنيهات كاقصى حد، يجعل ذلك دار الكتب البورصة الحقيقية للزهور، هي التي تحدد ملامح السوق في مصر.
تعتمد القرية في انتاجها الضخم على استراتيجيتين، الاستراتيجية الاولى هي المشاتل المكشوفة، تعتمد هذه المشاتل كليا على الطبيعة واشعة الشمس، اما الثانية هي الصوب الحديثة، يتم دعمها باضاءة كهربائية وتدفئة خاصة، تعتبر هذه الصوب المنجم الحقيقي للقرية حاليا، تتيح هذه التقنية انتاج كميات ضخمة، يتم انتاج الزهور المستوردة في وقت قياسي، يسمح ذلك بتلبية الطلبات المتزايدة، تزداد الطلبات خلال احتفالات الكريسماس وراس السنة.
التكنولوجيا الحديثة وتحديات السوق
يضيف المهندس الزراعي كمال محمود تفاصيل اخرى، هو احد ابناء القرية المتخصصين في المجال، يرى ان دور المهندسين هو ادخال التكنولوجيا، يهدف ذلك لتطوير عمليات التهجين، يساعد في انتاج انواع تتحمل الاجواء المختلفة، تعيش هذه الزهور لفترات اطول بعد القطف، تمتاز الارض في دار الكتب بخصوبة عالية، تحتاج الارض الى كميات قليلة من المياه، يعزز ذلك من جودة الزهرة وقوة لونها، تخرج الزهور برائحة نفاذة وطيبة.
لم تكن القرية بمعزل عن التحديات العالمية، اثرت جائحة كورونا واغلاق الحدود على التصدير، شمل هذا التاثير دولا كثيرة، نذكر منها فلسطين والسعودية وعمان وليبيا، اظهر سكان القرية مرونة مذهلة في التعامل، قرر المزارعون التركيز على السوق المحلي، قاموا بتغطية احتياجات محلات الزهور في مصر، شمل ذلك محلات القاهرة وكافة المحافظات، اصبحت القرية هي المنبع الاول للبهجة، يطمح المزارعون الان الى العودة للعالمية، يامل الجميع في استعادة مكانتهم الدولية قريبا.
استعدادات راس السنة وطموح العالمية
تتحول دار الكتب في شهر ديسمبر لغرفة عمليات، يعمل الجميع في عمليات القطف والتغليف، يشارك في ذلك الصغار والكبار بدقة، يتم شحن الزهور في سيارات مجهزة، تصل الزهور الى الفنادق الكبرى والكنائس، يتم ذلك في ليلة راس السنة تحديدا، ان العمل هنا لا يتوقف نهائيا، يحرص الجميع على خروج المنتج بابهى صورة، يعكس هذا الاتقان رقي القرية وسكانها، يعتبر السكان الورد رسالة حب وجمال للعالم.
تبقى قرية دار الكتب نموذجا مصريا ملهما، هي قصة نجاح في الاعتماد على الذات، استطاعت القرية ان تهزم البطالة بالجمال، صنعت من ترابها ذهبا ملونا يفوح عطره، ستظل دار الكتب دائما بورصة الورد الاولى، هي مصدر السعادة الاول في قلب مصر.

