بين شواهد القبور الصامتة، لا يسكن الموت وحده، بل تولد أحلامٌ تتحدى المستحيل. هنا في أزقة المقابر، حيث يختلط هدوء الراحلين بصخب الطموح، ينسج الآباء من خيوط الشقاء تيجان فخر لأبنائهم. خلف كل باب خشبي متهالك، قصة كفاح بطلتها أمٌّ ادخرت من قوتها لتعلم ابنتها الحقوق، وأبٌ أفنى عمره في مهن شاقة ليصنع من ابنه مهندساً يشار إليه بالبنان. هؤلاء ليسوا مجرد سكان في “حوش”، بل هم صناع حياة، قرروا أن تكون المقابر مجرد محطة عابرة، وأن يكون العلم هو الجسر الذي يعبر به أبناؤهم نحو النور والحرية.
عائشة: رحلة الصبر والوفاء
عائشة سيدة تبلغ من العمر 50 عاماً. تزوجت في “حوش” داخل المقابر وأنجبت ثلاثة أبناء. كانت حريصة على تعليمهم عبر “الجمعيات الشهرية” بين الجيران. اليوم، تجني ثمار كفاحها؛ فأحد أبنائها تخرج في كلية التجارة ويعمل محاسباً بشركة كبرى. وابنتها تخرجت في كلية الحقوق وأصبحت محامية. أما الابن الأصغر فقد حصل على مؤهل متوسط. بعد نجاحهم، انتقلوا للعيش خارج المقابر، لكن عائشة تزور جيرانها شهرياً وفاءً لهم.
قصص ملهمة في الزي العسكري
تعتبر “آمال إبراهيم” أشهر قصة نجاح بين السكان. ولدت وعاشت في المقابر وفقدت والدتها وهي طفلة. رعاها خالها الذي كان يعمل “صولاً” في الجيش. تفوقت في تعليمها حتى أصبحت ضابطة. تزوجت من شخص مرموق وأنجبت أطفالاً. أما شقيقها، فقد حصل على مؤهل عالٍ وسافر للعمل بالخارج.
خوف من الوصمة وأمل في التغيير
يقول رضا عادل إن ابنته تدرس بجامعة الأزهر. تحلم بأن تصبح مدرسة وتفتتح حضانة داخل المقابر لتعليم الأطفال وتغيير حياتهم. لكن المعاناة النفسية تظل حاضرة؛ إذ يرفض الأبناء كشف مكان سكنهم أمام أصدقائهم خوفاً من التنمر. كما يرفض الأهالي الظهور التلفزيوني حمايةً لمستقبل أبنائهم. وحالياً، ترفض النساء تزويج بناتهن لرجال من المقابر للهروب من هذا الواقع.
كفاح الآباء من أجل الأبناء
محمد إبراهيم: يعمل “تربياً” وراثة عن والده. يعمل أيضاً في شركة مقاولات حربية بوظيفة جيدة. جهز منزلاً خارج المقابر لتبدأ أسرته حياة جديدة، ويحلم بأن يرى أطفاله أطباء ومهندسين.
محسن: رجل خمسيني كافح لتعليم ابنه رغم الصعاب. عمل في مهن كثيرة، منها تنظيف المساجد بالسيدة عائشة. ابنه الآن مهندس معماري يعيش حياة مستقرة. وصية محسن هي أن يدفن في المقابر، وأن يزوره أحفاده هناك فقط.
-
جسر التواصل الثقافي
في كل أسبوع، يجتمع الأبناء المتعلمون مع أهاليهم في المقابر. تكون الجلسات مليئة بالمثقفين من أبناء المنطقة. يتحدثون مع الأهالي عن العالم الخارجي. يقدم هؤلاء الشباب خدماتهم للسكان عبر التواصل مع المسؤولين لحل شكواهم. لقد أثبتوا أن المعاناة كانت دافعاً للنجاح وليست عائقاً أمامه.
خلال السنوات الأخيرة (2022 ‘ 2024)، قامت الدولة المصرية بحملات تطوير واسعة ونقل لآلاف الأسر من المناطق العشوائية ومن بينها “مناطق المقابر” إلى مدن جديدة مثل “الأسمرات” و”معاً”، وهو ما ساهم في انخفاض هذه الأعداد بشكل ملحوظ في بعض المناطق التاريخية، لكن تظل الإحصائيات الدقيقة قيد التحديث المستمر من قبل الجهات المختصة.

