في ذكرى ميلاد الفنانة الكبيرة عبلة كامل، يتجدّد الحديث عن مسيرتها الاستثنائية التي صنعت حضورًا إنسانيًا عميقًا في قلوب المصريين. فقد قدّمت الفنانة المخضرمة نموذجًا نادرًا يجمع بين البساطة والقوة والصدق، ورسّخت لنفسها مكانة يصعب تعويضها في الفن المصري.
البدايات.. رحلة صعود هادئة من البحيرة إلى المسرح
وُلدت عبلة كامل في 8 ديسمبر 1960 بقرية نكلا العنب بمحافظة البحيرة. وبعد أن درست في كلية الآداب قسم مكتبات وتخرّجت عام 1984، بدأت أولى خطواتها نحو التمثيل عبر المسرح.
ومن المسرح، تحديدًا في مونودراما “نوبة صحيان”، وضعت أول بصمتها الفنية. ثم شاركت الفنان محمد صبحي في مسرحية “وجهة نظر”، وانتقلت بعدها إلى تجارب مهمة مع الكاتب الراحل لينين الرملي.
ومع مرور الوقت، ظهرت فرص جديدة جعلتها تتقدّم بخطوات ثابتة نحو الشاشة الكبيرة والتلفزيون.
انطلاقة سينمائية مؤثرة مع يوسف شاهين
جاءت قفزتها الكبرى عندما شاركت في فيلم “وداعًا بونابرت” للمخرج العالمي يوسف شاهين. وقدّم هذا الظهور نقطة تحول في مسيرتها، إذ جذب أنظار النقاد والجمهور إليها، ودفعها إلى الدخول بقوة إلى عالم السينما.
حضور صادق يقترب من القلوب
اعتمدت عبلة كامل على الصدق قبل أي شيء آخر. فقد قدّمت المرأة المصرية كما يعرفها الناس في الحقيقة:
بسيطة. قوية. حنونة. واضحة.
ولهذا السبب شعر الجمهور أنها واحدة منهم.
وفي كل ظهور، أكدت قدرة نادرة على تقديم المشاعر الإنسانية دون مبالغة.
وبرغم نجوميتها المتصاعدة، تمسكت دائمًا بالتواضع، وتجنبت الأضواء في معظم الأوقات، وفضّلت الاكتفاء بعملها على الشاشات دون ضجيج إعلامي.
المسرح.. مدرسة أدّت دورها بامتياز
وفي المسرح، تركت أعمالًا مستقرة في الذاكرة، من بينها:
عفريت لكل مواطن مع الفنان نبيل الحلفاوي.
الحادثة المجنونة، حيث أدّت دور فتاة مخطوفة بأسلوب مليء بالتوتر والمشاعر الدقيقة.
وهذه الأعمال رسّخت حضورها كممثلة تمتلك مرونة كبيرة وقدرة خاصة على التعبير.
السينما.. أدوار قليلة ولكنها مؤثرة
قدّمت عبلة كامل عدة أعمال لافتة في السينما، من بينها:
دور وداد في فيلم هيستيريا أمام أحمد زكي، حيث جسّدت الفتاة البسيطة الحاملة لأحلام إنسانية رقيقة.
دور أمال طبيبة الأسنان في فيلم سيداتي آنساتي مع محمود عبد العزيز ومعالي زايد، ونجحت من خلاله في تقديم شخصية قوية في حبكة غير معتادة وقتها.
ورغم عدد أعمالها السينمائية المحدود نسبيًا، إلا أنها تركت بصمة واضحة.
“فاطمة كشري”.. الدور الذي منحها خلودًا فنيًا
قدّمت في مسلسل “لن أعيش في جلباب أبي” واحدًا من أهم أدوارها على الإطلاق.
وجسّدت شخصية “فاطمة كشري” بحضور طبيعي وواقعي جعل الجمهور يعيش تفاصيلها.
وقدّمت نموذج المرأة المصرية المكافحة التي تقف بجوار زوجها عبدالغفور البرعي في رحلة صعوده.
ولفتت الأنظار بقدرتها على أداء دور أم لخمسة أبناء رغم تقارب أعمارها مع بعض الممثلين.
“سلسال الدم”.. النجاح الأخير قبل الابتعاد
جاء مسلسل “سلسال الدم” ليشكّل محطة مهمة في مسيرتها الحديثة.
وقدّمت خلال أجزائه الخمسة أداءً قويًا ظلّ حاضرًا في ذاكرة الجمهور.
وبعد هذا العمل، فضّلت الابتعاد عن الأضواء منذ عام 2018، واختارت حياة أكثر هدوءًا بعيدًا عن الظهور الإعلامي.
الحجاب والغياب.. بين الشائعات والحقيقة
ارتدت عبلة كامل الحجاب عام 2005، لكنها واصلت العمل لسنوات بعد ذلك.
ومع تقدّم الوقت، تزايدت شائعات اعتزالها، إلا أن مقربين منها أكدوا أنها لم تتخذ هذا القرار رسميًا.
وأكدوا أيضًا أنها ستعود في حال وجدت عملًا مناسبًا، خصوصًا وأنها ما زالت تتابع الساحة الفنية من بعيد.
جوائز صنعتها الموهبة
حصدت الفنانة عدة جوائز مهمة، أبرزها:
جائزة الممثلة الأولى في المسرح الجامعي 4 سنوات متتالية.
حصلت على جائزة أحسن دور ثانٍ عن فيلم الحب قصة أخيرة.
و أحسن ممثلة مساعدة عن فيلم الطوفان.
وايضا جائزة أفضل ممثلة من المهرجان القومي للسينما عن دورها في هيستيريا.
وتعكس هذه الجوائز تقديرًا واضحًا لموهبتها الاستثنائية.
إرث فني باقٍ.. واسم لا يغيب
على امتداد مسيرتها، أثبتت عبلة كامل أنها فنانة لا تحتاج إلى صخب إعلامي كي تعيش في الذاكرة.
وفضّلت العمل في هدوء، فاستقبلها الجمهور في قلوبهم.
وفي ذكرى ميلادها، يبقى اسمها حاضرًا بقوة في ذاكرة الفن المصري، كواحدة من أهم ممثلات جيلها وأكثرهن صدقًا وتأثيرًا.

