حارة الفحامين تقع خلف الجامع الازهر العريق، حيث يختلط عبق التاريخ برائحة الدخان الاسود، علاوة على ذلك يمارس الصناع هناك مهنة قاسية، يبدا العمل من جذوع الشجر القوية، ثم ينتهي جمرة مشتعلة في المواقد، لهذا السبب يبحث العمال عن الرزق وسط الغبار، يواجهون مخاطر صحية كبيرة في سبيل لقمة العيش، نتيجة لذلك يمثل هذا المكان مركزا رئيسا لتجارة الفحم في مصر، موقع غربة نيوز سلط الضوى على الحارة بعد زيارتها والحديث مع العاملين بها، وكان كالتالي
وصف الحارة.. عالم غارق في السواد
تشعر عند دخول الحارة بتوقف الزمن تماما، بالاضافة الى ذلك يغطي اللون الاسود الجدران والبيوت، تشاهد عمالا بملامح يكسوها غبار الفحم الكثيف، ومن ناحية اخرى تحكي الوجوه قصص الشقاء والصبر، تلمع عيونهم فقط من وسط السواد القاتم، ومع ذلك تضم الحارة الان حوالي 50 محلا، توارثت العائلات هذه المهنة ابا عن جد، وبناء عليه ينتشر العمال لخدمة الزبائن دائما، يشبه منظر الحارة لوحة فنية غارقة في الرماد.
تتراكم الشكائر الضخمة على جنبات الطريق الضيق، فضلا عن ذلك تسمع صوتا قويا عند التفريغ، الهواء في الحارة ثقيل ومحمل بجزيئات الكربون، وبالرغم من ذلك يبتسم الصناع رغم صعوبة العمل، الحارة خلية نحل لا تهدأ ابدا من الصباح، ومن ثم هي مكان للبيع ومستودع كبير للتخزين، ياتي اليها التجار من كل محافظات مصر.
التاريخ المنسي.. ارث المماليك العريق
يعود تاريخ المكان الى العصر المملوكي البعيد، فقد اعتمدت القاهرة قديما على الفحم للتدفئة، كانت تسمى في السابق سوق الفحامين الكبيرة، وبالمثل ضمت الحارة وكالات تجارية ضخمة جدا، جاءت القوافل اليها محملة باخشاب اشجار الغابات، لكن صمدت الحارة امام زحف الغاز الطبيعي، تخدم الان المطاعم وعشاق حفلات الشواء المنزلية، وبالتالي ترتبط الحارة وجدانيا بمنطقة الغورية العريقة، تمثل الحارة جزءا اصيلا من تاريخ القاهرة المعماري.
كان الفحم قديما هو عصب الحياة في مصر، واستخدمته القصور والمنازل لتدفئة الشتاء القارس، علاوة على ذلك كانت الوكالات تدير ميزانيات ضخمة، تراجع دور الفحم مع ظهور البوتاجاز والكهرباء، ومع ذلك رفضت حارة الفحامين الاندثار تماما، حافظت على هويتها السوداء وسط صخب العصر، والنتيجة ان يزورها الباحثون عن عبق الماضي دائما.
رحلة المكمورة.. ولادة الفحم من رحم النار
يشرح رضا الوهدان كواليس الصناعة اليدوية المعقدة، ففي البداية يضع رضا الخشب داخل المكمورة، ومن جهة اخرى يختار اماكن صحراوية بعيدة للعمل، يرص العمال الخشب بنظام يشبه شكل الاهرامات، ثم يغطي العمال الخشب بطبقة قش مبللة، يضع الصناع طبقة تراب لعزل الهواء تماما، ولهذا السبب يتفحم الخشب ببطء شديد تحت الارض، يمنع عزل الهواء تحول الخشب الى رماد.
يفتح العمال ثقوبا دقيقة جدا لتصريف الدخان، وبعد ذلك تظل النار مشتعلة لمدة 15 يوما، يرش العمال المياه باستمرار لمنع الاشتعال الكامل، اضافة الى ذلك يفضل البعض استخدام الرمل للاطفاء، يترك الصناع الفحم ليبرد مدة اربعة ايام، وفي النهاية يقوم العمال بعملية الغربلة اليدوية، يستخرجون الفحم الصافي ويستبعدون التراب والشوائب، تتطلب هذه المرحلة صبرا كبيرا ودقة عالية.
بورصة الاسعار.. فواكه النار والجودة
يتحدث محمد سيد علي عن انواع الجودة العالية، حيث يبيع محمد فحم اشجار المانجو المميز، يمتاز هذا النوع بخفة الوزن وقوة الاشتعال، وبناء عليه يطلب اصحاب المطاعم فحم البرتقال، بينما يفضل الجمهور العادي شراء الفحم البلدي، يحدد نوع الشجر المستخدم سعر الكيلو النهائي، ومن ثم تلعب الجودة دورا رئيسا في الجذب.
يبيع التجار فحم المانجو بـ 11 جنيها حاليا، وبالمقارنة يصل سعر فحم البرتقال لـ 9 جنيهات، يشتري الناس الفحم البلدي بـ 7 جنيهات فقط، ومن جهة ثانية يمثل الشتاء وقت الذروة للبيع، يزداد الطلب في القرى لاغراض التدفئة والطهي، والسبب ان برد الشتاء يمنع اشتعال الخشب المفاجئ، تختلف الاسعار قليلا من محافظة الى اخرى، يظل فحم الفواكه هو الاغلى والافضل دائما.
المعاناة الصحية.. تحديات البقاء والالم
يواجه العمال مخاطر جسدية يومية صعبة جدا، ومن الامثلة تعرض الصانع للحرق اثناء الاطفاء، وبسبب ذلك يصاب العمال بالام الظهر المزمنة، يسبب الغبار المتطاير امراض الربو والحساسية الحادة، نتيجة لذلك تتشبع رئة العامل بالكربون دائما، يعمل الصانع لمدة 12 ساعة يوميا متواصلة، وللاسف يفتقد العمال الى منظومة تامين صحي.
يقول كمال شحات انهم يخافون من امراض التنفس، وبالتالي يرتدي العمال الكمامات لحماية انفسهم قليلا، ومن الملاحظ قلة عدد السياح في الفترة الاخيرة، ومع ذلك يعتمد التجار حاليا على الطلب المحلي، يحتاج العمال الى وحدات صحية قريبة منهم، ومن ثم تمثل الاصابة بمرض السدة الرئوية خطرا.
اقتصاد الفحم.. من الحارة الى اوروبا
تطور الحكومة الان المكامير التقليدية الملوثة للبيئة، والهدف هو حماية صحة المواطنين من الانبعاثات، ومن ثم تنتج المكامير المطورة فحما بجودة عالية، يساعد هذا التطور العمال على تحسين دخلهم، بالاضافة الى ذلك يفتح ابواب التصدير لاوروبا، تصدر مصر الفحم لالمانيا وايطاليا بكميات ضخمة، يستخدمه الاوروبيون في التدفئة وحفلات الشواء الفاخرة.
تطلب الدول الاوروبية مواصفات قياسية للفحم النباتي، حيث يجب ان يكون الفحم خاليا من الرطوبة، تلتزم المكامير الحديثة بهذه الشروط الفنية الصعبة، وبالتبعية يدر هذا النشاط عملة صعبة للدولة، تمثل حارة الفحامين القلب النابض لهذه التجارة، فخلف السواد تكمن ثروة اقتصادية وطنية هامة.
مستقبل الحارة.. صمود في وجه الزمن
تواجه حارة الفحامين ضغوطا من اجل التطوير العمراني، وبالرغم من ذلك يخشى العمال من النقل البعيد، تمثل الحارة مركزا اقتصاديا يضم مليارات الجنيهات، وفي الواقع تربط الحارة بين المنتج والمستهلك، تظل الحارة صامدة رغم كل التحديات الحالية، ومن ثم يحكي الدخان قصة كفاح البشر الطويلة، ستبقى الحارة جزءا اصيلا من عبق القاهرة القديمة.
تحتاج الحارة الى تنظيم اكثر وتوفير الخدمات، وبالمثل يطالب الصناع بتسهيل اجراءات التراخيص للمحلات، يمثل استمرار المهنة حفاظا على تراث نادر، والنتيجة انه لا يمكن تخيل الازهر بدون الحارة، هي شاهد على عصور من العمل والاجتهاد، يظل الفحم رمزا للقوة والصبر في وجه الزمن.
خاتمة.. جمرة صمود في قلب العاصمة
في نهاية جولتنا ندرك قيمة هؤلاء العمال، فهم حراس مهنة قديمة تحارب للاندثار، ومن ناحية اخرى ليست الحارة مجرد مكان للبيع، هي مدرسة في الصبر والرضا بالمكتوب، سيبقى غبار الفحم يزين وجوه هؤلاء الابطال، وبالتاكيد ستبقى الحارة منبعا للفحم ومركزا للصناعة، يظل الامل قائما في غد افضل لهؤلاء الصناع.
موقع غربة نيوزيقدم دعوة مفتوحة لقراءئه لزيارة الحارة للإطلاع على جمالها، ومهارة ساكنيها وعمالها في العمل وانتاج منتج عالمي له مواصفات مميزة، وتستطيع رصد قصص إنسانية لحرفة تقاوم الإنقراض

