بقلم: عبدالله اليوسفي
المؤلف: عبد الغني اليوسفي.
المؤسسة: باحث مستقل – اليمن تاريخ الإصدار: فبراير2025م
{[حديث. الأغبياء]}
في عصر التغيرات المناخية المتسارعة والتحولات الجيوسياسية العميقة، تبرز المشاريع التنموية الكبرى كحلقات وصل معقدة بين الطموح البشري والأنظمة الطبيعية.
يمثل سد النهضة الإثيوبي الكبير نموذجا فريدا لهذه الديناميكية، حيث يجسد من ناحية حقبة جديدة من السيادة المائية والتنمية الاقتصادية.
ومن ناحية أخرى يطرح أسئلة مصيرية حول التفاعلات المعقدة بين الهندسة البشرية والأنظمة الجيولوجية العميقة.
الموقع الجيولوجي لسد النهضة
تقع منطقة سد النهضة الإثيوبي في قلب واحدة من أكثر المناطق الجيولوجية نشاطا على كوكب الأرض – مثلث عفار – حيث تلتقي الصفيحة العربية والنوبية والصومالية في رقصة تكتونية مستمرة.
هذه المنطقة تشهد انفصالا قاريا مستمرا بمعدل 2-3 سنتيمترات سنويا، مما يجعلها بيئة مثالية للدراسات الجيوفيزيائي.
ولكنها أيضا بيئة بالغة الخطورة للتدخلات البشرية واسعة النطاق.
الزلازل المستحثة بالسدود
لقد أدرك العلم الحديث منذ عقود ظاهرة الزلازل المستحثة بالسدود، حيث سجل التاريخ الجيولوجي عشرات الحالات التي أدى فيها تخزين المياه إلى تفعيل الأنظمة التكتونية.
غير أن حالة سد النهضة الإثيوبي تختلف نوعيا من حيث الحجم، والموقع، والسياق، حيث يقع في منطقة بركانية نشطة وتعاني من إجهاد مائي وصراعات ممتدة.
أهمية الدراسة لليمن
تمتد أهمية هذه الدراسة إلى مجال إدارة المخاطر الإقليمية، فموقع اليمن الاستراتيجي – الواقع في مرمى الرياح الغربية السائدة.
يجعله متلقيا محتملا للتأثيرات غير المباشرة لأي اضطرابات في النظام الجيولوجي الإثيوبي. هذا الواقع يضع صناع القرار في اليمن أمام مسؤولية استباقية لفهم هذه الديناميكيات وتطوير استراتيجيات تكيف فعالة.
منهجية الدراسة متعددة التخصصات
- تعتمد هذه الدراسة على منهجية متعددة التخصصات.
- تجمع بين تحليل البيانات الزلزالية من هيئة المساحة الجيولوجية الأمريكية.
- ومراقبة النشاط البركاني عبر برنامج البراكين العالمي.
- وتحليل صور الأقمار الصناعية من ناسا، ونمذجة اتجاهات الرياح والانتشار الجوي. لرسم صورة شاملة للتفاعلات بين النظام الهيدرولوجي والجيولوجي.
الأسئلة البحثية الرئيسية
تهدف الدراسة إلى الإجابة على أسئلة محورية:
- ما طبيعة العلاقة الإحصائية بين منسوب التخزين والنشاط الزلزالي؟
- ما هو التأخير الزمني؟
- كيف تنتقل التأثيرات عبر الطبقات الجيولوجية؟
- وما السيناريوهات المحتملة لتأثير هذه الديناميكيات على اليمن والمنطقة؟
وتختتم بدعوة لرؤية استباقية في إدارة الموارد الطبيعية.
الملخص التنفيذي
الهدف من الدراسة هو تحليل العلاقة السببية بين التحميل الهيدرولوجي لخزان سد النهضة الإثيوبي والنشاط الزلزالي والبركاني في منطقة عفار خلال 2018–2024.
أظهر التحليل وجود علاقة ارتباط معنوية (r=0.78,p=0.038)، وتأخير زمني قصير (3–6 أشهر)، وزيادة بنسبة 117% في الزلازل العميقة.
إضافة إلى ارتباط قوي بين الزلازل وانبعاثات SO2 وحرارة الحمم البركانية.
مخاطر عابرة للحدود على اليمن
تشير الدراسة إلى أن النشاط المحفز في عفار يشكل مخاطر بيئية وصحية واقتصادية مباشرة على اليمن.
وذلك نتيجة لأنماط الرياح التي تنقل الرماد والجسيمات الدقيقة باتجاه المدن اليمنية.
وتقدر الخسائر السنوية المحتملة بين 450 و900 مليون دولار، مع توصية بإنشاء نظام إنذار مبكر إقليمي.
الإطار التكتوني الإقليمي
يشكل سد النهضة تجربة تحميل جيولوجي ضخمة في منطقة حساسة تكتونيا.
يقع الخزان قرب النظام الشقي الإفريقي الشرقي في عفار، حيث تتقاطع الصفائح التكتونية الثلاث.
وتتسم القشرة بترقق شديد وصدوع نشطة وغرف صهارة ضحلة، ما يجعلها قابلة للاستجابة السريعة لأي تغيرات بالإجهاد.
منطقة عفار كمفترق تكتوني
تعد عفار نموذجا لعملية التمزق القاري نحو انتشار قاع البحر، بما يتضمنه من شقوق نشطة وحقول بركانية.
وقد سجلت سوابق مهمة للزلازل المستحثة بالخزانات مثل سد كاريبا الذي أدى ملؤه إلى زلازل تجاوزت 6.0 درجات.
ما يدعم فرضية الحساسية العالية للأنظمة الشقية للتحميل الهيدرولوجي.
تقييم المخاطر المرتبطة بسد النهضة
تركز التحليلات التقليدية على السلامة الهيكلية للسد، بينما تركز هذه الدراسة على التأثير الإقليمي لانتشار الضغط الهيدرولوجي.
فظاهرة RIS لا تحتاج لضعف تصميم السد، بل تكفي تغييرات طفيفة بالضغط الفعال لتحفيز الإجهاد الكامن في منطقة شقية نشطة مثل عفار.
التحميل الهيدرولوجي كتجربة جيولوجية
يمثل ملء خزان سد النهضة تجربة تحميل جيولوجي هائلة في بيئة نشطة تكتونيا، قد تسرّع عملية التمزق القاري الطبيعية.
إضافة هذا الوزن الضخم قد يخلق ظروفا ميكانيكية تنشط الصدوع العادية وتعيد توزيع الإجهاد حتى في أعماق القشرة السفلية، بما يتجاوز التأثيرات المحلية.
الأدلة الكمية للعلاقة بين التخزين والزلازل
قدم التحليل الإحصائي نموذجا يربط بين حجم التخزين وعدد الزلازل، بمعامل ارتباط r=0.78، ومعامل تحديد R2=0.61، وقيمة دلالة p=0.038.
هذه النتائج تشير إلى أن 61% من تباين النشاط الزلزالي في عفار مرتبط مباشرة بالتغيرات في حجم التخزين وليس بالنشاط التكتوني الطبيعي فقط.
فترات التأخير الزمنية القصيرة
وجدت الدراسة أن متوسط فترة التأخير بين الملء وظهور النشاط الزلزالي يتراوح بين 3 و6 أشهر.
وهو تأخير قصير مقارنة بالحالات العالمية الأخرى. هذا يعكس الانتشار الهيدروليكي العالي في القشرة البازلتية لعفار.
مما يجعل الصدوع تعمل كقنوات سريعة لنقل الضغط.
الزلازل العميقة وتفعيل القشرة السفلية
كما كشفت الدراسة زيادة كبيرة في الزلازل العميقة (>15 كم) بنسبة 117%.
هذه الأعماق تقع ضمن القشرة السفلية الهشة، وهي مناطق نادرا ما تتأثر مباشرة بوزن المياه.
مما يشير إلى تفعيل الإجهاد التكتوني المتراكم بفعل الانتشار الهيدروليكي والانتقال المرن للإجهاد.
توزيع الأعماق الزلزالية
في عام 2020 بلغ متوسط العمق 7.8 كم ونسبة الزلازل العميقة 15%.
أما في عام 2022 ارتفع المتوسط إلى 8.5 كم والعميقة إلى 20%.
في حين عام 2024 سجلت 8.7 كم و32%. هذا التحول يعني أن النشاط ينتقل تدريجيا نحو القشرة العميقة الأقل استقرارا.
دور الصخور القاعدية منخفضة النفاذية
القشرة السفلية في عفار مكونة من صخور بلورية منخفضة النفاذية، ما يسمح بتراكم ضغط مسامي عالٍ لفترات طويلة، ويزيد من احتمالية الانزلاق على الصدوع.
هذه الزلازل العميقة تشير إلى تحرير الإجهاد الإقليمي وليس فقط تأثيرا سطحيا للتحميل.
اقتران النشاط الزلزالي بالنشاط البركاني
أظهرت الدراسة أيضا وجود علاقة قوية بين الزلازل وزيادة مؤشرات النشاط البركاني.
حيث ارتفعت انبعاثات SO2 من 450 إلى 920 طنا سنويا.
وازدادت حرارة بحيرة الحمم بمقدار 60 درجة مئوية، مع ارتباط r=0.82 بين الزلازل والانبعاثات الغازية.
آليات تحفيز الانبعاثات البركانية
يتمثل تفسير هذا الارتباط في تغير الإجهاد المحيطي حول غرف الصهارة، وتفعيل الأنظمة الحرارية المائية بفعل الضغط الهيدرولوجي. هذه التغيرات يمكن أن تطلق الغازات المتراكمة وتزيد من تدفق الحرارة، ما يعزز احتمالات النشاط البركاني.
إزالة السدود البركانية
تشير النتائج إلى أن الهزات الزلزالية تعمل على زيادة نفاذية الأنبوب البركاني، بما يعرف بعملية إزالة السد.
حيث يؤدي تفكك الغطاء الصلب الذي يحتجز الغازات إلى رفع معدلات الانبعاث وإمكانية حدوث ثوران انفجاري أكثر قوة.
حالات المقارنة العالمية
تمت مقارنة نتائج عفار بحالات عالمية مثل سد كوينا بالهند وسد زيبينغبو بالصين.
كوينا يشبه عفار في الصخور البازلتية وتأخير قصير بين الملء والزلازل.
بينما زيبينغبو شهد زلزال سيشوان الكبير بقوة 7.9 مع تأخير أطول وبؤر أقل عمقا.
تفرد حالة GERD/عفار
خلص التحليل إلى أن حالة عفار تمثل سيناريو أسوأ لأنها تجمع بين: انتشار هيدروليكي سريع كالذي في كوينا.
إلى جانب تحفيز تكتوني عميق كحالة زيبينغبو.
إضافة إلى عنصر ثالث غير موجود في الحالتين: نشاط بركاني نشط ومقترن بشكل مباشر بالتغيرات الزلزالية.

