في غرفة يملؤها حنين الغربة تجلس سيدة فلسطينية، تظهر السيدة شامخة كجبل الجليل في صمودها، تمسك بين اصابعها ابرة رفيعة وخيط حرير، بالتالي هي لا تخيط قماش عادي بل ترسم وطن.
تروي كل غرزة حكاية مدينة سلبها الغزاة، نتيجة لذلك تحول الثوب بين يديها الى درع حماية، تحمي الذاكرة من الاندثار بفعل غبار الزمن، هكذا تشعر بحرارة الارض في ملمس الخيط.
تسمع صوت ازقة القدس في صرير القماش داخل (وحدة التراث والتطريز الفلسطيني) في شارع رمسيس بالقاهرة، ، اضافة الى ذلك تقرر هؤلاء النسوة تحويل الملابس الى دواوين، يواجهن بها محاولات طمس التراث بكل ثبات، ومن ثم ينقلن نبض بيارات يافا الى صدور الاجيال.
حيث حرصت المرأة الفلسطينية من خلال لجنة (التراث للتطريز) على رصد تراثها القديم بكل فخر، تبعا لذلك قاومت الاحتلال الاسرائيلي بوسائل فنية، بلمسات حب لبلادها، علاوة على ذلك تحمل السيدات في ذاكرتهن تفاصيل فلسطين. وتورثها لأجيال قادمة.
جغرافيا الحرير والوان المدن السليبة
تقول نادية الآغا، رئيس وحدة التراث والتطريز الفلسطيني في القاهرة، يتداول الهواة هذه الحرفة جيل بعد جيل، بناء على ذلك تحمي الجاليات في الدول العربية هذا الفن، تخصص النساء مجموعات احترافية لرصد فن التطريز، بعبارة اخرى يعلمن الاجيال اصول الحرفة لمواجهة المحو.
تمتلك كل بلدة فلسطينية طابع خاص بها، على سبيل المثال تختلف غرز القدس عن يافا تماما، تبرز ملامح نابلس وبئر السبع بشكل واضح، فضلا عن ذلك تربط امال الاغا الملابس بالبيئة.
وأشارت الآغا، إلى أن هذه الملابس تعكس طبيعة خلابة وهبها الله، من ناحية اخرى نعتبر الملابس وسيلة جغرافية لفهم المناخ، يعبر الزي الرسمي عن تفاصيل تاريخية وحضارية، لذلك تبرز الدراسات ملامح الازياء وفن التطريز.
يضع هذا الفن بصمات خالدة على الاقمشة، بصورة مماثلة يختلف فن التطريز في الصيف عنه بالشتاء، تستخدم النساء في الصيف اقمشة الحرير والكتان، بينما تختار السيدات اقمشة الصوف لبرد الشتاء.
وأوضحت الآغا، يختلف شكل التطريز في الجبال عنه بالاغوار، رغم ذلك تشتهر الملابس باسم العباءة والثوب الطويل، يتميز فن التطريز بالالوان الملفتة المعبرة عن الهوية، تحديدا اختارت مدينة القدس اللون الاحمر.
تعتمد مدينة نابلس شكل الزهور لتعكس الجمال، وبالمثل يجسد تطريز بئر السبع اشكال اشجار اصيلة، تمتلك الملابس الفلسطينية تاريخ طويل يمتد لقرون، لذلك دونت الفلسطينيات معالم الزي في كتب تاريخية.
لغة الغرز والحالة الاجتماعية للاناث
وأكدت نادية الآغا، رئيس وحدة التراث والتطريز، أن الخوف من اندثار معالم الهوية، حرصت النساء في الوحدة على تدوين علم التطريز في مجلدات ، تسير الجالية في القاهرة على خطى الجدات من خلالها، بالتزامن مع ذلك تنفيذ صور الزي المطرز.
تخرج فنانات مبدعات من رحم هذه المعاناة، باختصار ننظم معارض مع الجاليات العربية لعرض تراثنا، تقرأ المرأة الفلسطينية الثوب الذي ترتديه السيدة، تبعا لهذا تكتب تقرير كامل عن السيدة.
تعرف المكان الذي حضرت منه بشكل الغرزة، فعلا ترتدي العروس الزي الابيض المزخرف بالتطريز الاحمر، تختار الفتاة الصغيرة ملابس فاتحة بتطريز رقيق، بالمقابل ترتدي المرأة المطلقة الملابس الكاتمة، تلبس الارملة الثياب السوداء بحزام بسيط، كذلك تمارس.
دعاء مصطفى هذه الهواية منذ الطفولة، تعتبر الفلسطينيات في القاهرة الحرفة رسالة نضال، اخيرا نواجه الاحتلال الذي يسرق فننا وينسبه لنفسه.
وأضافت دعاء نتمسك بتراثنا في الملابس ونصعب عليهم التقليد، زيادة على ذلك علمت ابنائي اصول فن التطريز، انضمن الى فريق التطريز وانتجن قطع مبهرة، لذلك يعمل الفريق على مدار الاسبوع لانتاج الكثير.
ندخل فن التطريز في الديكورات المنزلية لتبقى، كما عرضت النساء المنتجات عبر الانترنت خلال الكورونا، تزور نساء الجاليات العربية مقرنا لرؤية الابداع، اضافة لهذا نشرح لهن تفاصيل تراثنا الفلسطيني.
وسردت دعاء ، أن النساء يعتبرن التراث امانة غالية نواجه بها الاحتلال، هكذا نحن اصحاب التاريخ والحضارة التي لا تضيع، تظل الابرة سلاح ناعم يكتب قصة صمودنا، خلاصة القول فلسطين باقية ما دامت هناك يد تطرز.
نضال الحرير في المنافي والشتات
رصد موقع غربة نيوز جلسة العمل، حيث تجلس السيدات لساعات طويلة خلف انوال التطريز، لهذا ينسجن احلام العودة بخيوط من شمس الامل، لا تمل الاصابع من تكرار الغرز الدقيقة، ومن ثم يبتكرن اشكال جديدة تدمج الماضي بالحاضر.
حيث يقول التاريخ ان الثوب هوية الارض، نتيجة لهذا ترفض المرأة ان يضيع هذا الارث في الغربة، تنقل الامهات سر الصنعة الى الحفيدات الصغيرات، تبعا لذلك يصبح المشغل الصغير ساحة معركة ثقافية.
ووصف نساء وحدة التراث والتطريز ، بأنهم استخدوا الحرير الطبيعي لمحاكاة اصالة الاجداد القدامى، نختار الرموز الكنعانية لتعزيز عمقنا التاريخي، يظهر عرق الزيتون في تطريز ثيابنا دوما، بناء عليه يرمز هذا العرق الى التمسك بالارض.
تتزين الصدور بنقوش تحاكي اسوار القدس العتيقة، علاوة على ذلك تزهو الاكمام بزخارف تشبه امواج يافا، كل قطعة تخرج من تحت ايدينا وطن، بالتالي نحمل فلسطين في حقائبنا ونرتديها فوق قلوبنا.
نواجه محاولات التزييف باقامة الورش التعليمية المستمرة، هكذا ندعو الباحثين لتوثيق كل غرزة في كتبنا، تظل الواننا زاهية رغم سواد ظروف اللجوء، ومن ثم نغني للوطن مع كل حركة ابرة.
فلسفة اللون في التراث الفلسطيني
يعكس اللون الاسود هيبة الجبال الفلسطينية الراسخة، وبالمثل يرمز اللون الاخضر الى نمو الزرع والامل، يتداخل الابيض ليمنح التصميم صفاء الروح، لذلك تكتمل اللوحة حين يعانق الخيط نسيج القماش.
نعلم ان الطريق الى الدار يبدأ بالذاكرة، لهذا نحفظ اسماء الغرز كما نحفظ اسماء قرانا، غرزة التحريري تحكي عن مدن الساحل الجميلة، فضلا عن ذلك تروي غرزة المناجل قصص الحصاد.
يشارك الرجال في دعم هذه المبادرات النسوية، تبعا لهذا يقدر المجتمع دور المرأة في حفظ الهوية، نصنع من التطريز هدايا تجوب دول العالم، بعبارة اخرى تصل رسالتنا الى ابعد مدي بفضل الفن.
ننتصر للحياة في كل مرة ننهي ثوب، بناء عليه نبتسم لانتصارنا الصغير على محاولات المحو، تظل فلسطين تسكن فينا ونحن نسكنها فخرا، اخيرا لن يسقط خيط الحرير من يدنا ابدا.
خاتمة الصمود وبقاء الحكاية
تكمل نساء الوحدة سردها لقصتهم كالتالي( تظل الابرة سلاح ناعم يكتب قصة صمودنا، تبعا لذلك فلسطين باقية ما دامت هناك يد تطرز، الحرير لا يكذب والتاريخ لا يرحم المفرطين، لذلك نحن حارسات الذاكرة وسنظل نحمي الحلم.
نبني جسور العودة بخيوط ملونة تربط الماضي، فعلا نزرع في كل غرزة امل جديد بالحرية، يبتسم الثوب حين يرى اصرار النساء القوي، علاوة على ذلك سنظل نكتب ونطرز ونحكي القصة.
هذه هي مهمتنا المقدسة التي حفظناها جيدا، نتيجته ننتصر للحياة في كل قطعة فنية جديدة، فلسطين تسكن في قلوبنا وتظهر في ثيابنا، باختصار نحن اصحاب الارض والحق والتاريخ المسطور.
تستمر الحكاية وتنتقل من يد الى يد، هكذا تظل الغرزة شاهدة على تمسكنا بالحق والدار، نعد انفسنا بان نرتدي هذه الاثواب في القدس، قريبا سنعود ونطرز ثوب النصر الكبير هناك.
تكتمل اللوحة بانتصار الارادة على النسيان المر، تبعا لهذا نؤمن ان الفن ابقى من الرصاص، سنظل نغرز الامل في صدر الزمان الصعب، فضلا عن ذلك فلسطين امانة في اعناقنا.
هذا هو عهدنا للارض وللجدات وللمستقبل القادم، نتيجة لذلك سنطرز الشمس فوق جبال الخليل وجنين، ستبقى فلسطين جميلة وثوبها مطرز بالكرامة والعز، اخيرا نحن هنا والارض لنا والحرير يشهد.
نحن نؤمن ان الابداع طريقنا نحو الحرية، بالتالي تظل غرزة الصليب علامة فارقة في تاريخنا الطويل، نجمع بين الاصالة والمعاصرة في انتاجنا اليومي، هكذا نضمن بقاء التراث حيا في قلوب الشباب.
تشارك الفتيات في ورش التدريب المهني بحماس، بناء عليه نرى مستقبلا مشرقا لهذا الفن العريق، لن يضيع حق وراءه مطالب يمسك بابرة، ومن ثم ستشرق شمس الحرية فوق اثوابنا المطرزة بالامل).

