يواجه المواطن المصري في الآونة الأخيرة تساؤلات صعبة ومقلقة حول طبيعة حركة الأسواق المحلية.
يلاحظ الجميع أن أسعار السلع والخدمات في زيادة مستمرة رغم أن سعر صرف الدولار يشهد استقرارا واضحا في البنوك الرسمية.
يعتقد الكثير من الناس أن العملة الصعبة هي المحرك الوحيد والأساسي لكل ما نشتريه من طعام أو ملابس أو أدوات.
لكن الواقع الاقتصادي الذي نعيشه اليوم يكشف عن عوامل أخرى خفية ومعقدة تتجاوز مجرد سعر الصرف اليومي.
يتطلب فهم هذه الظاهرة الغوص في تفاصيل دورة الإنتاج من لحظة خروج السلعة من المصنع وحتى وصولها إلى يد المستهلك النهائي.
إن استقرار العملة لا يعني بالضرورة ثبات الأسعار لأن هناك تكاليف تشغيلية أخرى تتحرك بشكل مستقل تماما عن قيمة الجنيه أمام الدولار.
ارتفاع تكاليف التشغيل والخدمات الأساسية داخل المصانع
تأتي تكلفة الطاقة والمحروقات في مقدمة الأسباب التي تضغط على الأسعار وتدفعها نحو الارتفاع المستمر.
عندما تقرر الحكومة رفع أسعار الوقود مثل السولار والبنزين تزداد تكلفة نقل المواد الخام والمنتجات النهائية بين المحافظات فورا.
يضطر صاحب المصنع أو التاجر إلى إضافة هذه الزيادة على سعر السلعة لكي يحافظ على هامش ربحه ويضمن استمرار نشاطه التجاري.
علاوة على ذلك تؤدي زيادة أسعار الكهرباء والمياه المخصصة للقطاع الصناعي والتجاري إلى رفع أعباء التشغيل اليومية بشكل كبير.
يجد المنتج نفسه أمام فواتير باهظة الثمن لا علاقة لها بسعر الدولار في البنوك مما يدفعه لرفع السعر النهائي.
بالإضافة إلى ذلك تساهم زيادة الأجور السنوية للعمال والموظفين في الضغط على ميزانيات الشركات والمؤسسات الإنتاجية.
تضطر هذه الشركات لتحميل تكلفة الزيادة في الرواتب على المنتجات التي تقدمها للجمهور لتعويض العجز المالي الناتج عن هذه الالتزامات.
أزمة التضخم العالمي وتأثير سلاسل الإمداد الدولية
لا يعيش السوق المصري بمعزل عن العالم بل يرتبط بروابط وثيقة مع البورصات العالمية للمواد الخام والسلع الأساسية.
قد يستقر سعر الدولار محليا ولكن أسعار القمح والزيوت والمعادن ترتفع عالميا نتيجة الصراعات السياسية أو الكوارث الطبيعية.
يدفع المستورد المصري مبالغ أكبر بالعملة الصعبة لشراء نفس الكمية من البضائع التي كان يشتريها سابقا بأسعار أقل.
يسمى هذا النوع من التضخم بالتضخم المستورد وهو عامل لا تملك الدولة سيطرة كاملة عليه في ظل العولمة الاقتصادية.
كما تلعب تكاليف الشحن الدولي والتأمين على الحاويات دورا حاسما في تحديد السعر قبل وصول السلعة إلى الميناء.
إذا حدثت أي اضطرابات في ممرات التجارة العالمية تزيد الرسوم والضرائب المرتبطة بالشحن مما يرفع التكلفة الإجمالية للمنتج.
وبناء على ذلك تظهر الزيادات في الأسواق المحلية نتيجة هذه الضغوط الخارجية التي تسبق عملية البيع والشراء داخل الدولة.
يلعب العامل البشري وسلوك بعض التجار دورا كبيرا في إشعال نار الأسعار دون وجود مبرر اقتصادي حقيقي أو منطقي.
يستغل بعض كبار الموزعين والمنتجين نقص الرقابة الصارمة في بعض المناطق ويقومون بتخزين السلع الأساسية لتعطيش السوق.
يهدف هؤلاء المحتكرون إلى خلق طلب وهمي يسمح لهم بالتحكم في السعر ورفعه لتحقيق أرباح خيالية على حساب المواطنين.
ومن ناحية أخرى يعتمد بعض التجار سياسة التحوط المبالغ فيها عبر تسعير البضائع وفق توقعاتهم الشخصية بارتفاع الدولار في المستقبل.
يقوم هؤلاء برفع الثمن اليوم بناء على احتمالات قد لا تحدث غدا مما يخلق حالة من الارتباك وعدم اليقين في السوق.
تسبب هذه المضاربات غير المشروعة حالة من عدم الاستقرار وتجعل الأسعار تتحرك في اتجاه واحد فقط وهو الارتفاع الدائم.
وجاءت أسباب زيادة الأسعار كالتالي:
زيادة أسعار المحروقات والطاقة التي تدخل في عمليات النقل والتصنيع الثقيل.
ارتفاع أثمان المواد الخام في البورصات العالمية نتيجة التوترات والنزاعات الدولية.
لجوء بعض التجار والموزعين لسياسة التخزين والمضاربة لتحقيق مكاسب غير قانونية.
زيادة تكاليف الشحن البحري والرسوم الإدارية في الموانئ الدولية والمحلية.
ارتفاع تكلفة العمالة والخدمات اللوجستية وتطوير البنية التحتية للمؤسسات التجارية.
انخفاض القوة الشرائية للعملة المحلية نتيجة معدلات التضخم السنوية المتراكمة.
زيادة الطلب الاستهلاكي على بعض السلع في مواسم معينة مما يشجع على رفع أثمانها.
السياسات النقدية وأثرها على القوة الشرائية للمواطن
تؤثر معدلات الفائدة والسيولة المالية المتوفرة في أيدي الناس على حركة الأسعار بشكل غير مباشر ولكن فعال جدا.
عندما تزداد كمية الأموال في السوق دون زيادة موازية في الإنتاج الحقيقي تنخفض القوة الشرائية للعملة تدريجيا.
يشعر المواطن هنا أن الأسعار زادت بشكل كبير بينما الحقيقة هي أن قيمة نقوده لم تعد تشتري نفس الكمية من السلع.
كما أن استمرار معدلات التضخم السنوية يجعل من الطبيعي زيادة الأسعار بمعدل معين يتماشى مع انخفاض القيمة الزمنية للنقود.
يتفاعل المستهلك أيضا مع هذه الحالة عبر زيادة الطلب على الشراء خوفا من أي زيادات مستقبلية متوقعة.
يحفز هذا السلوك الشرائي الاندفاعي البائعين على رفع الأسعار استجابة لهذا الإقبال الكثيف الذي يظهر في أوقات الأزمات.
رؤية مستقبلية وحلول مقترحة لضبط إيقاع الأسواق
يتطلب الخروج من دائرة الغلاء المستمر تكاتف جميع الجهود بين الجهات الحكومية والقطاع الخاص وحتى المستهلكين.
يجب على الدولة تفعيل أدوات الرقابة والضرب بيد من حديد على كل من يحاول التلاعب بأقوات الناس أو احتكار السلع.
كما ينبغي على المواطن اتباع ثقافة استهلاكية واعية والامتناع عن شراء السلع التي يرفع أصحابها ثمنها دون مبرر واضح.
يظل تشجيع الإنتاج المحلي وزيادة الاعتماد على الخامات الوطنية هو الحل الأمثل لتقليل الارتباط بالتقلبات الخارجية.
عندما ننتج ما نستهلك ستقل حاجتنا للعملة الصعبة وسنتمكن من التحكم في الأسعار بشكل أفضل وأكثر استدامة.
تهدف الرؤية الاقتصادية القادمة إلى توطين الصناعة وزيادة الصادرات لضمان استقرار الأسواق وحماية محدودي الدخل من موجات الغلاء العالمي.

