مخاطر شراء الذهب بالتقسيط عبر مواقع التواصل الاجتماعي تتصدر قائمة القضايا الاقتصادية الراهنة، حيث تكتسح منصات التواصل الاجتماعي موجة عارمة لبيع المعدن الأصفر، ويستهدف المروجون جذب المواطنين الراغبين في اقتناء المشغولات والسبائك، وتجري هذه العمليات بعيداً عن أعين الرقابة الصارمة، وقد انتشرت هذه الظاهرة عقب الارتفاعات القياسية في أسعار الصاغة، إذ كسر جرام الذهب عيار 21 وعيار 24 حاجز الثلاثة آلاف جنيه، ورغم استقرار الأسعار مؤخراً بفضل قرارات الإعفاء الجمركي، إلا أن حمى الشراء ما زالت تحرك الكثيرين، ويسعى الناس بقوة لحماية “تحويشة العمر” من تذبذب قيمة العملة.
دوافع الادخار في ظل الأزمات الاقتصادية
يعتبر الذهب تاريخياً هو الملاذ الآمن الأول وقت الاضطرابات، ويمارس المواطن حقه الطبيعي في الحفاظ على قيمة مدخراته، ويفضل الكثيرون شراء السبائك لتأمين مستقبل أبنائهم، ويؤكد رفيق عباسي رئيس شعبة المشغولات الذهبية سابقاً هذا التوجه، حيث يرى أن العالم كله يهرب نحو المعدن النفيس حالياً، وقد رصدت التقارير تراجع أسهم بنوك أمريكية كبرى بسبب سحب الودائع، واتجه هؤلاء المودعون لشراء الذهب الخام مباشرة، كما قيدت دول كبرى مثل تركيا استيراد الذهب بسبب ضغط الطلب المحلي، وفي مصر يفضل الفرد تحويل السيولة النقدية إلى ذهب بدلاً من البنوك، لكن الصفحات المجهولة استغلت هذا الاندفاع العاطفي لترويج عروض مشبوهة، وتفتقر هذه العروض لأدنى معايير الأمان القانوني والضمانات المالية.
إغراءات زائفة وفخ التقسيط الإلكتروني
تستخدم الصفحات المجهولة طرقاً نفسية متطورة لاستدراج الضحايا، وتبرز مخاطر شراء الذهب بالتقسيط عبر مواقع التواصل الاجتماعي في مبادرات التقسيط، حيث يروج المحتالون لإمكانية الشراء بدون مقدم وبدون مصنعية، وتصل فترات السداد في هذه العروض الوهمية إلى 36 شهراً، وتخاطب هذه الشعارات احتياجات الشباب المقبلين على الزواج، إذ يعاني الشباب من ضغوط مادية هائلة لتوفير تكاليف “الشبكة”، ويظن البعض أن هذه الصفحات وسيلة لتوفير المال، لكن الحقيقة أنها واجهة لعمليات نصب محترفة تسرق أموال البسطاء، ويطرح المروجون جرامات الذهب بأسعار تقل عن السوق الرسمي بنحو 500 جنيه، وهذا الفارق السعري الضخم يثير الريبة والشك لدى الخبراء.
التلاعب بالأعيرة وغياب الرقابة الفنية
تكمن الأزمة الحقيقية في هذه التجارة غير الرسمية في ضياع الحقوق، إذ يبيع هؤلاء التجار الذهب بدون فواتير ضريبية، وتمثل الفاتورة السند القانوني الوحيد الذي يثبت العيار والوزن، وتفتقد المشغولات المعروضة عبر الإنترنت لختم مصلحة الدمغة والموازين، ويبرر المحتالون انخفاض السعر بأن القطع ذات أوزان خفيفة، لكن الفحص الفني يكشف غالباً عن معادن غير نقية، وتطرح هذه الصفحات منتجات لم تعتمدها وزارة التموين، ويجعل البيع عبر وسطاء مجهولين ملاحقتهم قضائياً أمراً مستحيلاً، فالمشتري لا يملك عنواناً حقيقياً للبائع أو سجلاً تجارياً يحميه.
تجارب واقعية تحذر من ضياع المدخرات
يروي “محمد علي” قصته كشاب يسكن في محافظة الفيوم، فقد كاد محمد أن يقع في فخ صفحة فيسبوك مشبوهة، حيث عرضت عليه الصفحة تقسيط الذهب بمبالغ زهيدة جداً، لكن تدخل بعض المتخصصين أنقذ ماله من الضياع، وحذره الخبراء من شراء معدن قد يكون مطلياً أو ناقص العيار، وفي المقابل اختارت “أم محمد” مسار الأمان الرسمي رغم كلفته، فقد اشترت أم محمد سبائكها من محل صاغة معروف، وحصلت على فاتورة رسمية تضمن لها حق إعادة البيع مستقبلاً، وهي تؤمن أن دفع السعر الحقيقي الآن يحميها من خسارة الأصل لاحقاً، وتؤكد هذه النماذج أن الوعي يحمي المواطن من براثن المحتالين.
إرشادات الوقاية من النصب الإلكتروني
يجب على المستهلك الالتزام بخطوات صارمة لتجنب مخاطر شراء الذهب بالتقسيط عبر مواقع التواصل الاجتماعي، أولاً يجب الابتعاد الكامل عن الشراء من أفراد لا يملكون مقراً ثابتاً، ثانياً يجب الإصرار على استلام فاتورة ضريبية مميكنة وشاملة، ثالثاً يجب معاينة الدمغة الحكومية على كل قطعة قبل دفع الثمن، رابعاً لا يجب الانخداع بالعروض التي تدعي إلغاء المصنعية تماماً، فالمصنعية تكلفة حتمية تضمن قانونية المنشأ وجودة التصنيع، خامساً يجب حصر عمليات التقسيط في البنوك الرسمية أو الشركات المعتمدة، فهذه الجهات تخضع لرقابة البنك المركزي وتحمي حقوق المتعاملين.
الدور الرقابي وتحديات السوق الرقمي
تبذل الأجهزة الرقابية مجهودات كبيرة لضبط الأسواق حالياً، وتلاحق مصلحة الدمغة والموازين تجار الذهب المغشوش باستمرار، وتعتبر التوعية الإعلامية هي الركيزة الأساسية لحماية أموال الناس، فالذهب ليس مجرد سلعة بل هو مخزن حقيقي للقيمة، ويتطلب التعامل معه أعلى درجات الحذر والحيطة، والتوفير الوهمي في المصنعية قد ينتهي بامتلاك معدن بلا قيمة، لذلك يضمن التعامل مع تجار الصاغة المعتمدين استرداد القيمة المالية كاملة، فالسوق الرسمي يوفر الشفافية التي تفتقدها منصات التواصل الاجتماعي المجهولة.
خارطة طريق للحفاظ على “تحويشة العمر”
ينصح الخبراء دائماً بضرورة التحقق من هوية التاجر قبل تحويل أي مبالغ، فالنصب الإلكتروني يتطور ويستخدم أساليب إقناع حديثة، ويجب على الأسرة المصرية الحذر من إعلانات “الذهب الرخيص”، فالذهب له سعر عالمي ومحلي محدد لا يمكن تجاوزه، وأي انخفاض حاد في السعر يعني وجود خلل في الجودة، ويتحمل المواطن مسؤولية حماية ماله من خلال اختيار القنوات الشرعية، فالجهات الرسمية توفر مظلة حماية قانونية للمستهلك في حال حدوث خلاف، بينما تترك التجارة الإلكترونية الفرد وحيداً أمام عصابات محترفة، فالحفاظ على المال يتطلب الصبر والبحث والتدقيق.
الخلاصة والنتائج النهائية
في الختام يظل الذهب هو الخيار الأفضل للادخار إذا اتبعنا الطرق السليمة، وتمثل مخاطر شراء الذهب بالتقسيط عبر مواقع التواصل الاجتماعي تهديداً حقيقياً للأمن المالي، ويستغل المحتالون حاجة الناس للتوفير لتمرير بضائعهم الزائفة، والحفاظ على “تحويشة العمر” يستلزم التعامل مع الكيانات المسجلة، فالفاتورة والدمغة والضمان هم أسلحة المشتري الذكي في وجه الاحتيال، واستثمر مالك في مكان يمنحك الأمان القانوني والاطمئنان النفسي، فالوعي هو الحصن المنيع الذي يحمي مدخراتك ومدخرات عائلتك من الضياع، وتذكر دائماً أن التعامل الرسمي هو الضمانة الوحيدة لمستقبل مالي آمن.

