بات العالم يحبس أنفاسه مع إعلان رفض إيران وأمريكا إيقاف إطلاق النار في واحدة من أعقد الأزمات السياسية في العصر الحديث.
تتجه الأنظار الآن نحو مياه الخليج حيث تقرع طبول الحرب وتتصاعد نبرة التهديدات العسكرية بين القوتين بشكل غير مسبوق.
أكدت شبكة “سي إن إن” أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب امتنع عن التوقيع على مسودة دولية تهدف لتهدئة الأوضاع المشتعلة.
كان المقترح يقضي بفرض هدنة لمدة 45 يوما لضمان تدفق التجارة العالمية وتأمين ممرات الطاقة الحساسة في المنطقة.
في المقابل أعلنت طهران صراحة عدم قبولها بالمقترح الأمريكي مشيرة إلى أنها قدمت شروطا مغايرة تماما عبر وسطاء دوليين.
يأتي هذا التصعيد المتبادل قبل ساعات قليلة من انتهاء المهلة النهائية التي حددها البيت الأبيض لفتح الممرات الملاحية.
لوح ترامب بخيار القوة العسكرية الشاملة مهددا بتحويل المراكز الحيوية الإيرانية إلى أطلال تعود بها إلى العصور الغابرة.
علاوة على ذلك كشفت تقارير استخباراتية عن فشل محاولات إرساء هدنة مؤقتة تمهد الطريق أمام اتفاقية سلام دائمة.
أدى رفض إيران وأمريكا إيقاف إطلاق النار إلى إصابة الأسواق العالمية بحالة من الذعر نتيجة التخوف من انقطاع إمدادات النفط.
أشارت مصادر مطلعة إلى أن كافة الجهود الدبلوماسية التي قادتها قوى إقليمية اصطدمت بحائط مسدود من التعنت المتبادل.
اتفاق إسلام آباد المنهار وصراع الإرادات
حاولت باكستان التدخل عبر مبادرة أطلق عليها “اتفاق إسلام آباد” لإنقاذ الموقف ومنع وقوع الكارثة العسكرية الوشيكة.
تركزت الخطة الباكستانية على وقف فوري للأعمال العدائية يعقبه الدخول في مفاوضات مباشرة بين واشنطن وطهران.
اقترحت إسلام آباد فترة زمنية لا تتجاوز 20 يوما للوصول إلى تسوية شاملة تنهي كافة أشكال النزاع المسلح في الإقليم.
لكن الواقع الميداني أثبت أن لغة الرصاص كانت أقوى من صوت الدبلوماسية في ظل إصرار كل طرف على شروطه.
أبلغت وكالة الأنباء الإيرانية “إرنا” الجانب الباكستاني أن طهران ترفض أي حلول مجتزأة أو تهدئة مؤقتة لا تضمن حقوقها.
قدمت إيران قائمة تضم 10 مطالب أساسية تتصدرها ضرورة الرفع الكامل للعقوبات الاقتصادية والبدء في إعمار ما دمرته الأزمة.
بالإضافة إلى ذلك طالبت طهران بوضع بروتوكولات أمنية جديدة تضمن لها السيطرة السيادية على ممراتها المائية الإقليمية.
صرح المتحدث باسم الخارجية الإيرانية إسماعيل بقائي أن بلاده صاغت مواقفها ردًا على المقترحات التي وصفتها بالمنقوصة.
أكد بقائي أن التهديد بارتكاب جرائم حرب لن يدفع إيران إلى التراجع عن مواقفها الاستراتيجية في المنطقة العربية والإقليمية.
بناء على ذلك تلاشت آمال الوصول إلى حل وسط بعد أن أصبح رفض إيران وأمريكا إيقاف إطلاق النار هو العنوان الأبرز للمرحلة.
توازنات البرنامج النووي وسيناريوهات الانفجار
يرى خبراء استراتيجيون أن جوهر الصراع لا يتوقف عند حدود الملاحة بل يمتد إلى طموحات إيران النووية المعقدة.
أوضح الدكتور محمد مجاهد الزيات أن واشنطن ترى في التصعيد الحالي فرصة ذهبية لانتزاع الملف النووي الإيراني بالكامل.
تصر الإدارة الأمريكية على ضرورة إخراج كافة كميات الوقود النووي المخصب من الأراضي الإيرانية تحت إشراف دولي صارم.
من جهة أخرى حذر الدكتور ديمتري بريجع من أن المنطقة تعيش الآن مرحلة “حرب الكل ضد الكل” في مشهد فوضوي.
اعتبر بريجع أن أي محاولة للتهدئة حاليا هي مجرد تخدير مؤقت للأزمة قبل وقوع انفجار عسكري قد يغير خارطة الشرق الأوسط.
بينما أشار الدكتور محمد محسن أبو النور إلى أن باكستان حاولت لعب دور الوسيط المحايد لتقريب وجهات النظر المتباعدة.
لكن يبدو أن الفجوة بين المطالب الأمريكية والتحفظات الإيرانية أكبر من أن تحتويها أي مبادرة دبلوماسية في الوقت الراهن.
نتيجة لذلك يتوقع المحللون أن تشهد الساعات المقبلة تحركات عسكرية ميدانية قد تبدأ بضربات جراحية للمواقع الحساسة.
كذلك فإن القوى الكبرى تراقب الموقف بحذر شديد خشية أن يخرج الصراع عن السيطرة ويتحول إلى حرب عالمية ثالثة.
بناء على ذلك فإن رفض إيران وأمريكا إيقاف إطلاق النار قد يكون المسمار الأخير في نعش الاستقرار الإقليمي الهش.
رؤية غربة نيوز لمآلات الصدام العسكري
تؤكد “غربة نيوز” في تحليلها الخاص أن المنطقة دخلت نفقا مظلما بسبب إصرار القوتين على كسر إرادة الطرف الآخر.
نعتقد أن الولايات المتحدة تستخدم سياسة حافة الهاوية لإجبار النظام الإيراني على تقديم تنازلات تمس صلب وجوده السياسي.
إن إغلاق الممرات المائية الحيوية يمثل انتحارا اقتصاديا للعالم وهو ما يجعل الصمت الدولي تجاه هذه الأزمة أمرا مستغربا.
ترى “غربة نيوز” أن أي رصاصة تنطلق الآن ستكون شرارة لحرائق لا يمكن إطفاؤها لسنوات طويلة في المنطقة العربية.
يجب على الأطراف الدولية الفاعلة ممارسة ضغوط حقيقية على واشنطن وطهران للعودة إلى طاولة المفاوضات غير المشروطة.
إن الشعوب هي المتضرر الوحيد من هذه الصراعات التي لا تخدم سوى تجار الحروب والباحثين عن النفوذ الزائف فوق الأنقاض.
تؤكد “غربة نيوز” ضرورة تغليب صوت العقل وتوفير ممرات آمنة للمدنيين والسلع الأساسية بعيدا عن التجاذبات العسكرية الخطيرة.
في الختام يظل السؤال القائم هو هل سينجح الوسطاء في تدارك الموقف أم أن الحرب أصبحت قدرا لا مفر منه؟
يبقى الواقع مريرا مع استمرار رفض إيران وأمريكا إيقاف إطلاق النار وتصاعد طبول الحرب التي تهدد الجميع بالدمار.


