تفكك التحالفات السودانية، يعيش السودان مرحلة سياسية شديدة التعقيد. وتفرض الحرب الدائرة منذ أبريل 2023 واقعًا جديدًا على البلاد. كما تعيد هذه الحرب طرح الأسئلة القديمة حول شكل الدولة وطبيعة السلطة ومستقبل الحكم.
ولم يعد الصراع مجرد مواجهة عسكرية بين طرفين. بل تحول إلى معركة سياسية وفكرية حول مستقبل السودان. لذلك يرى كثيرون أن البلاد تقف اليوم أمام مفترق طرق حقيقي.
وتتمثل الأزمة الأساسية في الصراع بين مشروعين مختلفين. الأول يتمسك ببنية الدولة القديمة. أما الثاني فيرفع شعارات التغيير وإعادة توزيع السلطة والثروة بصورة أكثر عدالة.
وفي هذا السياق، ظهر تحالف “تأسيس” باعتباره أحد أبرز المشاريع السياسية الجديدة. ورفع التحالف شعارات الدولة المدنية والديمقراطية والمواطنة المتساوية. لكن الانتقادات بدأت تتزايد مؤخرًا بسبب طريقة إدارة بعض مؤسسات التحالف.
تفكك التحالفات السودانية،حرب أبريل أعادت كشف الأزمة القديمة
اندلعت الحرب في السودان يوم 15 أبريل 2023. لكن جذور الأزمة أقدم بكثير من تاريخ الحرب نفسها. إذ عانى السودان منذ الاستقلال من أزمات سياسية متكررة. كما شهد انقلابات وصراعات طويلة بين مراكز القوى المختلفة.
وسيطرت النخب المرتبطة بالمؤسسة العسكرية على السلطة لعقود طويلة. كما احتكرت هذه النخب النفوذ السياسي والاقتصادي داخل الدولة. وفي المقابل، عانت مناطق واسعة من التهميش والإقصاء.
ومع اندلاع الحرب، بدأ قطاع كبير من السودانيين ينظر إلى المعركة بصورة مختلفة. إذ رأى كثيرون أن الأزمة تتعلق بطبيعة الدولة نفسها، وليس فقط بالخلافات العسكرية.
كذلك شعر مواطنون من مناطق الهامش بأن الصراع يمثل فرصة لإعادة ترتيب المشهد السياسي. لذلك انخرطت قوى عديدة في المواجهة باعتبارها معركة من أجل التغيير السياسي والاجتماعي.
تفكك التحالفات السودانية،تحولات جديدة داخل المشهد السوداني
شهدت الساحة السودانية تحولات سريعة خلال الأشهر الماضية. وأسهمت هذه التحولات في إعادة تشكيل التحالفات السياسية والعسكرية.
وبرز قائد قوات الدعم السريع محمد حمدان دقلو كأحد أبرز الشخصيات المؤثرة في المشهد. كما تبنى خطابًا سياسيًا قريبًا من شعارات ثورة ديسمبر، خاصة ما يتعلق بالعدالة وإنهاء التهميش.
وأثار هذا التحول قلق القوى التقليدية داخل المؤسسة العسكرية. إذ رأت تلك القوى أن التغيير المطروح يهدد موازين النفوذ القديمة.
وفي المقابل، دعمت قوى سياسية واجتماعية عديدة مشروع “تأسيس”. كما ازداد التأييد للتحالف بعد انضمام الحركة الشعبية لتحرير السودان بقيادة عبد العزيز الحلو.
ورأت قطاعات واسعة من السودانيين أن التحالف الجديد قد يفتح الباب أمام بناء دولة مختلفة. لذلك تعلقت آمال كبيرة بالمشروع، خاصة في مناطق الهامش.
تفكك التحالفات السودانية،مشروع “تأسيس” رفع شعارات كبيرة
طرح تحالف “تأسيس” مجموعة من المبادئ السياسية المهمة. ودعا التحالف إلى بناء دولة مدنية ديمقراطية. كما طالب بإقامة نظام يقوم على المواطنة المتساوية.
ودافع المشروع أيضًا عن فكرة الفيدرالية وتوزيع السلطة بين الأقاليم. كذلك شدد على ضرورة الاعتراف بالتنوع الثقافي والعرقي والديني داخل السودان.
ولاقت هذه الشعارات قبولًا واسعًا لدى قطاعات عديدة. خاصة أن السودانيين ظلوا يطالبون بهذه المبادئ لسنوات طويلة.
لكن الأزمة السودانية لم ترتبط يومًا بغياب الشعارات أو النصوص الدستورية. بل ارتبطت دائمًا بغياب الإرادة السياسية الحقيقية لتنفيذها.
فكثير من الاتفاقيات السابقة حملت عناوين كبيرة. غير أن القوى الحاكمة تراجعت عنها لاحقًا. لذلك فقد المواطن السوداني الثقة في كثير من المشاريع السياسية السابقة.
تفكك التحالفات السودانية،انتقادات متزايدة داخل معسكر التغيير
بدأت الانتقادات تظهر داخل معسكر “تأسيس” نفسه خلال الفترة الأخيرة. وتركزت هذه الانتقادات حول طريقة تشكيل بعض المؤسسات التابعة للتحالف.
وانتقدت شخصيات سياسية وناشطون آليات اختيار مجلس الأقاليم. كما اعتبروا أن عملية الاختيار افتقدت إلى الشفافية والتوافق الحقيقي.
وأشار منتقدون إلى أن القرار السياسي داخل التحالف أصبح محصورًا في مجموعات محدودة. كما رأوا أن النفوذ بدأ يرتبط بالعلاقات الشخصية والولاءات السياسية.
ويرى مراقبون أن هذه الممارسات تتناقض مع الشعارات التي رفعها المشروع منذ بدايته. لذلك يخشى كثيرون من فقدان الثقة الشعبية في التحالف.
ويعتقد متابعون أن أي مشروع تغيير يفقد قيمه الأساسية سيفقد دعمه الجماهيري تدريجيًا. خاصة في ظل الظروف الصعبة التي يعيشها السودان حاليًا.
المحاصصة تعيد إنتاج الأزمة القديمة
تمثل المحاصصة السياسية واحدة من أكبر أزمات الحياة السياسية في السودان. إذ ارتبطت دائمًا بإضعاف مؤسسات الدولة وتعطيل التحول الديمقراطي.
واليوم، يخشى كثيرون من تكرار التجربة نفسها داخل تحالف “تأسيس”. خاصة مع تصاعد الحديث عن التعيينات المغلقة وتقاسم النفوذ بين مجموعات محددة.
ويرى محللون أن أي مشروع سياسي يحتاج إلى مؤسسات قوية وشفافة. كما يحتاج إلى معايير واضحة في اختيار القيادات والمسؤولين.
لكن غياب هذه المعايير قد يؤدي إلى تفاقم الخلافات الداخلية. كذلك قد يفتح الباب أمام الانقسامات والصراعات التنظيمية.
ويؤكد مراقبون أن السودانيين لم يعودوا يقبلون بتكرار تجارب الماضي. لذلك أصبحت المطالب الشعبية أكثر ارتباطًا بالشفافية والمحاسبة.
الجدل يتصاعد حول الإدارة الأهلية
عادت الإدارة الأهلية إلى واجهة المشهد السياسي السوداني خلال الفترة الأخيرة. وأثار هذا الحضور المتزايد جدلًا واسعًا داخل الأوساط السياسية.
ويرى منتقدون أن توسيع نفوذ الإدارة الأهلية يعيد إنتاج البنية التقليدية القديمة. كما يعتبرون أن هذا التوجه قد يضعف مشروع الدولة المدنية الحديثة.
ويعتقد بعض الناشطين أن الاعتماد الكبير على الزعامات القبلية قد يعمق الانقسامات الاجتماعية. لذلك يطالبون ببناء مؤسسات تعتمد على القانون والكفاءة.
وفي المقابل، تدافع قوى أخرى عن دور الإدارة الأهلية. وتؤكد أن هذه الإدارات لعبت أدوارًا مهمة في حل النزاعات وتحقيق الاستقرار داخل المجتمعات المحلية.
لكن الجدل لا يزال مستمرًا حول حدود هذا الدور. كما يستمر النقاش بشأن تأثيره على مستقبل الدولة السودانية.
السودان أمام اختبار صعب
يقف السودان اليوم أمام فرصة تاريخية للتغيير. لكن هذه الفرصة تواجه تحديات كبيرة ومعقدة.
ويؤكد كثير من المراقبين أن نجاح أي مشروع وطني يحتاج إلى مصداقية حقيقية. كما يحتاج إلى الالتزام بالمبادئ التي تُرفع في الخطابات السياسية.
ولا يكفي تغيير الأسماء أو التحالفات لتحقيق التحول المطلوب. بل تحتاج البلاد إلى بناء مؤسسات قوية تحترم القانون والدستور.
كذلك تحتاج القوى السياسية إلى تقديم نموذج جديد في الإدارة والحكم. لأن السودانيين فقدوا الثقة في كثير من التجارب السابقة.
ويرى متابعون أن مستقبل السودان سيتحدد وفق طريقة إدارة المرحلة الحالية. فإذا التزمت القوى الجديدة بالشفافية والمشاركة، فقد تنجح في بناء دولة مختلفة.
أما إذا استمرت سياسات المحاصصة والتعيينات المغلقة، فإن الأزمة القديمة ستعود بصورة جديدة. وعندها ستتحول شعارات التغيير إلى مجرد عناوين سياسية بلا تأثير حقيقي.
وفي النهاية، يبقى الأمل معلقًا على قدرة السودانيين في حماية مشروع الدولة العادلة. كما يبقى الرهان قائمًا على بناء وطن يقوم على المشاركة والعدالة وسيادة القانون.


