النفوذ الروسي السوري،أعلنت روسيا، الأربعاء، أنها تناقش مع سوريا إمكانية إعادة هيكلة وجودها العسكري في البلاد، في خطوة تعكس تطورات سياسية واستراتيجية تشهدها العلاقات بين موسكو ودمشق منذ التغيير السياسي الذي شهدته سوريا أواخر عام 2024.
وجاء الإعلان الروسي في وقت تتزايد فيه التساؤلات بشأن مستقبل القاعدتين الروسيتين في اللاذقية وطرطوس، اللتين تمثلان أحد أهم مراكز النفوذ العسكري الروسي خارج الحدود الروسية. كما يأتي بالتزامن مع استمرار التقارب بين القيادة السورية الجديدة وموسكو، الأمر الذي يفتح الباب أمام ترتيبات جديدة تتناسب مع المتغيرات السياسية والعسكرية التي شهدتها البلاد خلال الفترة الماضية.
النفوذ الروسي السوري،موسكو تؤكد مناقشة مستقبل وجودها العسكري
كشفت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا أن التعاون بين روسيا وسوريا يشهد تطورا متسارعا في مختلف المجالات.
وأكدت أن الجانبين يناقشان عددا من الملفات المشتركة، من بينها مستقبل الوجود العسكري الروسي داخل الأراضي السورية.
وأوضحت أن المباحثات الحالية تشمل إمكانية إعادة هيكلة دور المنشآت العسكرية الروسية، بما يتوافق مع طبيعة المرحلة الجديدة التي تمر بها العلاقات الثنائية.
وجاءت تصريحات زاخاروفا ردا على سؤال يتعلق بخطط إنشاء مركز للإمداد والتموين في ميناء طرطوس، بهدف توزيع السلع والمنتجات الروسية المستوردة إلى مختلف المناطق السورية.
وأشارت إلى أن التعاون الاقتصادي والتجاري بين البلدين يشهد توسعا ملحوظا، الأمر الذي يدفع الطرفين إلى دراسة آليات جديدة لتعزيز الشراكة الاستراتيجية.
النفوذ الروسي السوري،إعادة الهيكلة لا تعني الانسحاب
رغم الحديث عن إعادة هيكلة محتملة للوجود العسكري الروسي، فإن التصريحات الرسمية لم تتضمن أي إشارة إلى انسحاب كامل من سوريا.
بل على العكس، يرى مراقبون أن موسكو تسعى إلى إعادة تنظيم انتشارها العسكري بما يتناسب مع المتغيرات الجديدة على الأرض.
كما تشير المعطيات الحالية إلى أن روسيا ما زالت تعتبر وجودها العسكري في سوريا جزءا أساسيا من استراتيجيتها الإقليمية والدولية.
لذلك، فإن أي تعديلات مرتقبة قد تركز على طبيعة المهام العسكرية وحجم القوات المنتشرة وآليات التشغيل، بدلا من التخلي عن المواقع الاستراتيجية التي بنتها موسكو خلال السنوات الماضية.
النفوذ الروسي السوري،سقوط الأسد غيّر المعادلات
أثار سقوط الرئيس السوري السابق بشار الأسد في ديسمبر 2024 موجة واسعة من التساؤلات حول مستقبل النفوذ الروسي داخل سوريا.
فطوال سنوات الحرب السورية، ارتبط الوجود العسكري الروسي بشكل مباشر بدعم نظام الأسد.
ولهذا السبب، توقع كثير من المراقبين أن تواجه موسكو صعوبات كبيرة في الحفاظ على قواعدها العسكرية بعد التغيير السياسي الذي شهدته البلاد.
النفوذ الروسي السوري،لكن التطورات اللاحقة أظهرت مسارا مختلفا.
فقد نجحت روسيا في بناء قنوات تواصل مع القيادة السورية الجديدة، كما تمكنت من الحفاظ على حضورها السياسي والعسكري داخل البلاد.
وأدى هذا التحول إلى تبديد كثير من المخاوف التي أثيرت بشأن مستقبل القواعد الروسية.
تقارب متزايد بين بوتين والشرع
شهدت الأشهر الماضية تحسنا ملحوظا في العلاقات بين موسكو والرئيس السوري أحمد الشرع.
وعززت الزيارات المتبادلة والاتصالات السياسية هذا التقارب.
كما استقبل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين نظيره السوري في موسكو خلال زيارة رسمية ناقش خلالها الجانبان ملفات سياسية واقتصادية وأمنية متعددة.
وأكد بوتين خلال اللقاء دعم بلاده لوحدة الأراضي السورية واستقرارها.
في المقابل، أبدت القيادة السورية الجديدة رغبة واضحة في الحفاظ على العلاقات الاستراتيجية مع روسيا، مع العمل في الوقت ذاته على تطويرها بما يخدم المصالح المشتركة.
ويرى محللون أن هذا التقارب ساعد على توفير بيئة مناسبة لمناقشة مستقبل الوجود العسكري الروسي بصورة أكثر مرونة.
قاعدة طرطوس.. الرئة البحرية لروسيا
تحظى قاعدة طرطوس بأهمية استثنائية في الحسابات العسكرية الروسية.
فهي تمثل المركز البحري الروسي الوحيد في البحر المتوسط.
كما توفر للقوات البحرية الروسية خدمات الصيانة والإمداد وإعادة التزود بالوقود.
وتسمح القاعدة للسفن الحربية الروسية بالبقاء لفترات طويلة في المنطقة دون الحاجة إلى العودة للموانئ الروسية البعيدة.
ولهذا السبب، تنظر موسكو إلى طرطوس باعتبارها أحد أهم أصولها العسكرية خارج حدودها.
كما تشكل القاعدة جزءا رئيسيا من استراتيجية روسيا الرامية إلى الحفاظ على حضور دائم في شرق المتوسط.
ويرى خبراء أن التخلي عن هذه القاعدة يبدو أمرا مستبعدا في المستقبل المنظور.
حميميم.. مركز العمليات الجوية الروسية
لا تقل قاعدة حميميم الجوية أهمية عن قاعدة طرطوس.
فمنذ افتتاحها، تحولت إلى مركز رئيسي للعمليات الجوية الروسية في الشرق الأوسط.
كما لعبت دورا محوريا في إدارة العمليات العسكرية خلال سنوات الحرب السورية.
وخلال السنوات الأخيرة، استخدمت روسيا القاعدة كنقطة انطلاق للعديد من المهام العسكرية واللوجستية.
كذلك ساهمت حميميم في دعم التحركات الروسية في مناطق مختلفة خارج سوريا، خاصة في القارة الإفريقية.
وتؤكد تقارير عديدة أن القاعدة ما زالت تمثل أحد أهم مراكز النفوذ العسكري الروسي في المنطقة.
لذلك، فإن أي عملية إعادة هيكلة محتملة ستأخذ في الاعتبار الأهمية الاستراتيجية الكبيرة لهذا الموقع.
الوجود الروسي يتجاوز الساحة السورية
لا ترتبط أهمية القواعد الروسية في سوريا بالوضع السوري فقط.
بل تمتد إلى حسابات أوسع تتعلق بالدور الروسي على الساحة الدولية.
فموسكو تستخدم مواقعها العسكرية في سوريا لتعزيز حضورها في الشرق الأوسط وشرق المتوسط وشمال إفريقيا.
كما توفر هذه القواعد دعما لوجستيا مهما للعمليات الروسية في مناطق مختلفة.
ومن هذا المنطلق، ينظر صناع القرار في الكرملين إلى سوريا باعتبارها بوابة استراتيجية نحو مناطق نفوذ أوسع.
لذلك، فإن أي قرارات تتعلق بإعادة هيكلة القواعد العسكرية ستخضع لحسابات جيوسياسية معقدة تتجاوز الحدود السورية.
التدخل الروسي غيّر مسار الحرب
بدأت روسيا تدخلها العسكري المباشر في سوريا عام 2015.
وجاء التدخل بهدف دعم الحكومة السورية آنذاك في مواجهة الفصائل المسلحة.
وخلال السنوات التالية، لعبت القوات الروسية دورا رئيسيا في تغيير موازين القوى على الأرض.
كما ساهم الدعم الجوي الروسي في استعادة الحكومة السورية السيطرة على مناطق واسعة.
وأصبح الوجود الروسي أحد أبرز العوامل المؤثرة في مجريات الصراع السوري.
وفي الوقت نفسه، رسخ هذا التدخل مكانة موسكو كفاعل رئيسي في ملفات الشرق الأوسط.
تقارير سابقة تحدثت عن إعادة انتشار
ذكرت تقارير إعلامية خلال عام 2024 أن روسيا أعادت توزيع بعض قواتها داخل سوريا.
وأشارت تلك التقارير إلى انسحاب وحدات روسية من بعض خطوط التماس في شمال البلاد.
كما تحدثت عن تقليص الوجود العسكري في عدد من المناطق الجبلية الساحلية.
لكن هذه التقارير أكدت في الوقت ذاته أن موسكو لم تدرس التخلي عن قاعدتي طرطوس وحميميم.
بل ركزت التحركات الروسية على إعادة التموضع بما ينسجم مع الأولويات العسكرية الجديدة.
وتنسجم التصريحات الأخيرة مع هذا التوجه، حيث يبدو أن موسكو تفضل تطوير نموذج وجودها العسكري بدلا من إنهائه.
مرحلة جديدة من الشراكة الروسية السورية
تشير المعطيات الحالية إلى أن العلاقات بين روسيا وسوريا تدخل مرحلة مختلفة عن السنوات السابقة.
فبعد انتهاء حقبة بشار الأسد، تعمل موسكو على بناء شراكة جديدة مع القيادة السورية الحالية.
وفي المقابل، تسعى دمشق إلى الاستفادة من الخبرات والاستثمارات والدعم الروسي في مجالات متعددة.
كما يفتح التعاون الاقتصادي والتجاري والعسكري الباب أمام مشاريع مشتركة جديدة خلال السنوات المقبلة.
وتؤكد المؤشرات أن الجانبين يفضلان الحفاظ على مستوى عال من التنسيق السياسي والاستراتيجي.
مستقبل القواعد بين التطوير والتكيّف
في ضوء التطورات الحالية، يبدو أن مستقبل القواعد الروسية في سوريا يتجه نحو التكيّف مع الواقع الجديد بدلا من الانسحاب.
فموسكو تدرك أهمية مواقعها العسكرية الاستراتيجية.
كما تدرك دمشق أهمية استمرار التعاون مع روسيا في مجالات الأمن والدفاع.
ولهذا السبب، قد تشهد المرحلة المقبلة تعديلات تنظيمية وهيكلية داخل القاعدتين الروسيتين، مع الحفاظ على جوهر الوجود العسكري الروسي.
وبين إعادة الهيكلة والتطوير، تواصل موسكو تثبيت حضورها في سوريا، في خطوة تؤكد أن القاعدتين في طرطوس وحميميم ستبقيان عنصرا أساسيا في الاستراتيجية الروسية بالشرق الأوسط لسنوات قادمة.








