تعد رعاية كبار السن من أولويات الاستجابة الإنسانية الشاملة، حيث قد تفرض مرحلة التقدم في العمر تحديات تصبح أكثر صعوبة في المجتمعات المتضررة من الفقر أو النزوح أو النزاعات أو الكوارث الطبيعية. فقد تصبح المشكلات الصحية، مثل ضعف البصر والسمع، وصعوبات الحركة، وارتفاع ضغط الدم، والسكري، وأمراض القلب، أكثر تعقيداً عندما تتعطل الخدمات الطبية أو تصبح غير متاحة.
إلا أن التحديات التي يواجهها كبار السن تتجاوز بكثير حدود الصحة الجسدية. فقد يؤدي فقدان الزوج أو الزوجة، أو الانفصال عن أفراد الأسرة، أو النزوح، أو انعدام الاستقرار المالي، أو العزلة لفترات طويلة، إلى ترك كثير من المسنين دون الدعم الاجتماعي والنفسي الذي يحتاجون إليه. وفي الأزمات الإنسانية، قد تتضاعف هذه الهشاشة، خاصة عندما يجد كبار السن أنفسهم في الوقت نفسه مسؤولين عن رعاية الأطفال أو الأحفاد.


ومع احتفال العالم بـ اليوم العالمي لكبار السن، يتزايد الاهتمام بالحاجة إلى استجابات إنسانية لا تغفل احتياجات المسنين.
وبالنسبة إلى منظمة لايف للإغاثة والتنمية (LIFE)، تندرج مساعدة كبار السن ضمن نهج إنساني أوسع يشمل الاستجابة للطوارئ، والرعاية الصحية، والمأوى، والأمن الغذائي، والمياه والصرف الصحي، والتعليم، ودعم المجتمعات المحلية.
وأجرينا حواراً مع شارون ليونارد، المدير التنفيذي الإداري في منظمة «لايف»، حول نهج المنظمة في رعاية كبار السن، والتجارب التي يعيشها المسنون في ظل النزاعات والنزوح والفقر والكوارث الطبيعية. وفي هذا السياق، ناقشنا معها هذه القضايا والتحديات المرتبطة بها.
س: لماذا تمثل مساعدة كبار السن جزءاً مهماً من العمل الإنساني، حتى أثناء حالات الطوارئ الكبرى؟
قد يصبح كبار السن أحياناً غير مرئيين خلال الأزمات الإنسانية، لأن الاهتمام العاجل ينصب بطبيعة الحال على الإصابات الخطيرة، والأسر النازحة، والأطفال، وغيرها من الاحتياجات الأكثر وضوحاً. لكن كبار السن يتأثرون بالأزمات بشكل مباشر أيضاً، ولدى كثير منهم احتياجات طبية ومالية واجتماعية خاصة لا يمكن ببساطة تأجيلها.
وتوضح التركيبة السكانية نفسها سبب أهمية منح هذه القضية مزيداً من الاهتمام. وتشير بيانات صندوق الأمم المتحدة للسكان (UNFPA) إلى أن الأشخاص الذين تبلغ أعمارهم 60 عاماً فأكثر يمثلون بالفعل نحو 8% من سكان العالم. وتزداد أهمية هذا التحول الديموغرافي بشكل خاص في الدول العربية، حيث من المتوقع أن يرتفع عدد كبار السن من نحو 27 مليوناً عام 2015 إلى حوالي 50 مليوناً بحلول عام 2030، وأكثر من 80 مليوناً بحلول عام 2045.
ويحدث هذا التحول الديموغرافي بالتزامن مع الحروب والنزوح والصعوبات الاقتصادية وغيرها من التحديات الإنسانية. كما يمكن أن تؤدي النزاعات إلى إضعاف الروابط الأسرية وتقليل عدد أفراد الأسرة الأصغر سناً القادرين على رعاية الآباء والأجداد.


ولهذه الأسباب، لا ينبغي النظر إلى رعاية كبار السن باعتبارها إضافة اختيارية للاستجابة الإنسانية، بل يجب دمجها في برامج مستدامة تراعي حقوقهم واحتياجاتهم وإسهاماتهم.
س: تعمل منظمة LIFE في دول ومجتمعات مختلفة للغاية. كيف يمكن تكييف رعاية كبار السن مع هذه البيئات المتنوعة؟
لا يوجد نموذج واحد لرعاية كبار السن يمكن تطبيقه في جميع الأماكن. فاحتياجات المسن الذي يعيش مستقلاً داخل مجتمعه تختلف عن احتياجات شخص نزح بسبب النزاع أو يعيش في دار للرعاية.
وعلى مدى 34 عاماً، عملت منظمة LIFE في نحو 60 دولة، وكان كبار السن جزءاً من العديد من مجالات استجابتنا الإنسانية. وقد تشمل هذه الاستجابة المساعدات الطارئة، ودعم اللاجئين والنازحين داخلياً، والخدمات الطبية، ومشروعات توفير المياه النظيفة، والتوزيعات الموسمية، ومساعدة الأسر، والتعليم، وكفالة الأيتام.
ومن الحالات المهمة بشكل خاص تلك التي يصبح فيها الأجداد مقدمي الرعاية الأساسيين لأحفاد فقدوا والديهم. فقد يكون هؤلاء الأجداد يعانون بالفعل من مشكلات صحية مرتبطة بالتقدم في العمر وموارد مالية محدودة، ثم يجدون أنفسهم فجأة مسؤولين عن أسرة بأكملها.
وفي الأماكن التي تعمل فيها LIFE بشكل مباشر مع كبار السن المقيمين في مرافق الرعاية، نحاول أيضاً الاهتمام بسلامتهم الاجتماعية والنفسية. وقد يشمل ذلك توفير وجبات غذائية مغذية، وبيئات آمنة، وفرص للتحدث ومشاركة تجاربهم، وأنشطة ترفيهية تتناسب مع قدراتهم، إلى جانب التدريب الأساسي على استخدام التكنولوجيا لمساعدتهم على البقاء على اتصال بأفراد أسرهم.
ولا يقتصر هدفنا على تقديم الخدمات، بل نسعى أيضاً إلى ضمان استمرار حضور خبرات كبار السن ومعارفهم وكرامتهم في حياة المجتمع.
س: قد يكون كبار السن أكثر عرضة للمخاطر عندما يضطرون إلى مغادرة منازلهم. ما نوع المساعدة التي يحصلون عليها أثناء النزوح وحالات الطوارئ؟
يمكن أن يكون النزوح بالغ الصعوبة بالنسبة إلى كبار السن، خاصة عندما يعانون من أمراض مزمنة أو محدودية في الحركة أو يعتمدون على أدوية منتظمة.
وقد استجابت فرق LIFE لحالات طوارئ في العديد من البيئات المختلفة، بما في ذلك الزلازل التي ضربت المغرب ونيبال وإندونيسيا وتركيا، والفيضانات في بنغلاديش وأفغانستان وليبيا، والنزاعات التي أثرت على مجتمعات في ميانمار والسودان وغزة وسوريا ولبنان.
وفي مثل هذه الظروف، يتمثل اهتمامنا الأول في مساعدة كبار السن على البقاء في أمان والحفاظ على كرامتهم. وبحسب طبيعة الوضع، قد تشمل المساعدات توفير سكن آمن، والأدوية، والفحوصات الطبية، واستمرار العلاج، وخدمات التمريض، أو الخدمات الطبية المتنقلة للأشخاص الذين يصعب عليهم الوصول إلى مرافق الرعاية الصحية.
وتعد المساعدات الغذائية أيضاً مهمة. ونسعى إلى توفير وجبات متوازنة، وعند الحاجة، دعماً غذائياً مناسباً. وخلال أشهر الشتاء، يمكن أن تحدث البطانيات والملابس الدافئة فرقاً كبيراً، خاصة بالنسبة إلى الأسر النازحة التي تعيش في أماكن إقامة مؤقتة.
وقد تكون المساعدات المالية والمساعدات المنزلية ضرورية أيضاً عندما يكون المسن مسؤولاً عن أحفاد أو أفراد آخرين من الأسرة.
ويتم تصميم كل تدخل وفقاً لظروف الفرد والاحتياجات العملية والعوائق التي يواجهها.
س: المساعدة الجسدية واضحة، ولكن كيف تستجيب LIFE للوحدة والحزن وغيرها من التحديات النفسية التي يواجهها كبار السن؟
قد تستمر الآثار النفسية للنزوح والفقدان لفترة طويلة بعد انتهاء حالة الطوارئ المباشرة. فقد يفقد كبار السن أزواجهم أو أبناءهم أو منازلهم أو مجتمعاتهم المألوفة أو إحساسهم بالاستقلالية. وقد يعاني بعضهم من العزلة بسبب عدم قدرتهم على التنقل أو التواصل بسهولة مع أقاربهم.
ولهذا السبب، ينبغي ألا تقتصر المساعدات الإنسانية على الغذاء والدواء والمأوى. فالاستماع والتواصل الإنساني مهمان أيضاً.
وقد تتضمن برامجنا إتاحة الفرص لكبار السن للتحدث مع الآخرين، والمشاركة في أنشطة جماعية، والحصول على الدعم النفسي والاجتماعي. ويمكن أن تساعد هذه التفاعلات في الحد من العزلة وتذكير الأشخاص بأنهم لم يُنسوا.
وشمل أحد أعمالنا الأخيرة في الضفة الغربية تقديم المساعدة لكبار السن في بيت لحم وبيت ساحور وبيت جالا. وفي لبنان، قدمت LIFE أيضاً دعماً لكبار السن من ذوي الإعاقة من خلال خدمات رعاية صحية متخصصة، إدراكاً منها لأن بعض المسنين قد يترددون في طلب المساعدة حتى عندما تكون احتياجاتهم كبيرة.
وفي غزة، الوضع الإنساني شديد القسوة بشكل خاص. فقد يضطر كبار السن الذين يعيشون في مخيمات النزوح إلى التعامل مع أمراض مزمنة، بالتزامن مع الحزن على فقدان أفراد الأسرة والنزوح وفقدان الأحباء. ولذلك تظل المساعدات الطارئة والطبية والمساعدات الموسمية مكونات مهمة من استجابتنا.
س: ماذا يخبركم كبار السن عن معنى هذه المساعدات بالنسبة إليهم؟
بالنسبة إلى كثير من كبار السن، تتجاوز المساعدة بكثير مجرد الحصول على الاحتياجات الأساسية. فقد تعيد إليهم الشعور بالأمان والاستقلالية في وقت أصبحت فيه جوانب كثيرة من حياتهم غير مستقرة.
أتذكر أبو ناصر، وهو رجل يبلغ من العمر 71 عاماً من غزة، أصبح مسؤولاً عن ستة أحفاد بعد فقدان ابنه وزوجة ابنه. ووصف كيف غيّرت الحرب المسؤوليات التي يتحملها بشكل كامل في مرحلة متقدمة من العمر. وساعده الحصول على الغذاء ومستلزمات العناية الشخصية والمياه الآمنة في تقليل خوفه من اضطرار أحفاده إلى تعريض أنفسهم للخطر لمجرد توفير الاحتياجات الأساسية للأسرة.
وحتى المرافق الأساسية يمكن أن يكون لها أثر نفسي مهم. فإتاحة حمامات خاصة داخل أحد مخيمات LIFE، على سبيل المثال، منحت أبا ناصر وزوجته شعوراً متجدداً بالخصوصية والكرامة.
وهناك أيضاً زهراء، 75 عاماً، من موريتانيا، التي أوضحت أن حصولها على المساعدات الغذائية يعني أنها لم تعد مضطرة إلى مواجهة الإحراج الناتج عن طلب الطعام من الآخرين.
وفي أفغانستان، نجت فاطمة، 73 عاماً، من فيضانات مدمرة وتركتها التجربة في حالة من الصدمة النفسية العميقة. وساعدها توفير سكن آمن ومساعدة طبية على بدء التعافي من آثار التجربة.
وفي تركيا، نزحت عائشة، 67 عاماً، عقب زلزال كهرمان مرعش. وساعدتها LIFE في الوصول إلى أفراد أسرتها بعد النزوح، كما وفرت لها المأوى والأدوية والملابس والغذاء، بينما كانت الأسرة تعمل على إعادة بناء حياة أكثر استقراراً.
وتوضح هذه التجارب أن الكرامة قد تكمن في أمور تبدو بسيطة: الأمان، والخصوصية، والدواء، والغذاء، والتواصل مع الأسرة، والقدرة على العيش دون خوف دائم مما قد يحدث لاحقاً.


س: هناك تحدٍ آخر يتمثل في تحول بعض كبار السن إلى مقدمي رعاية للأطفال بعد النزاعات أو الكوارث. كيف تستجيب LIFE عندما يكون كبار السن أنفسهم بحاجة إلى الرعاية؟
هذه واحدة من أصعب الحالات التي نواجهها. فقد يكون المسن نفسه بحاجة إلى المساعدة، ثم يجد نفسه فجأة مسؤولاً عن أطفال لأن والديهم توفوا أو فقدوا أو أصبحوا غير قادرين على رعايتهم.
في شمال سوريا، أتذكر أبا عامر، 78 عاماً، الذي أمضى سنوات يعيش في خيام شديدة البرودة مع أحفاده. وعندما حصل على منزل من خلال مشروع LIFE السكني الجديد، تأثر بشدة. فقد كان أكبر مخاوفه هو حماية الأطفال من البرد وتوفير مكان آمن للعيش.
وهناك مثال آخر هو إيمان، 59 عاماً، من السودان، التي فرت من النزاع برفقة ابنتها الحامل وأحفادها. وبعد وصول الأسرة إلى مصر، قدمت LIFE لهم المأوى والغذاء والأدوية والمتابعة الطبية لابنتها خلال فترة الحمل.
وينطبق المبدأ نفسه خارج مناطق النزاعات. ففي جمهورية الدومينيكان، شاهد بيدرو، 71 عاماً، أحفاده يعودون إلى المدرسة بعد أن قامت LIFE بإعادة تأهيل مدرستهم المتضررة. وعكست استجابته أمراً مهماً، وهو أن المساعدات الإنسانية يمكن أن تعيد ليس فقط تأهيل البنية التحتية، بل أيضاً إحساس الأسرة بالاستقرار والكرامة.
وتؤكد هذه القصص أهمية إدماج رعاية كبار السن ضمن التخطيط الإنساني والتنموي الأوسع. فكبار السن ليسوا مجرد متلقين للمساعدة، بل هم في كثير من المجتمعات مقدمو رعاية، وصناع قرار، ومصدر للاستقرار الأسري، وحملة للخبرة والمعرفة.
س: ما الذي ينبغي أن تفعله المنظمات الإنسانية بشكل مختلف مستقبلاً عند تصميم برامج لكبار السن؟
ينبغي أن تؤخذ احتياجات كبار السن في الاعتبار منذ بداية التخطيط للاستجابة الإنسانية، بدلاً من التعامل معها لاحقاً باعتبارها قضية منفصلة.
وهذا يعني تحديد احتياجاتهم الطبية، وقدرتهم على الحركة، وترتيبات معيشتهم، وظروفهم المالية، ومسؤولياتهم الأسرية عند تصميم الاستجابة للطوارئ. كما يعني ضمان سهولة وصول كبار السن إلى أماكن الإيواء ونقاط توزيع المساعدات والخدمات الصحية ومرافق المياه ووسائل الاتصال.
والأهم من ذلك، علينا الاعتراف بكرامتهم وقدرتهم على اتخاذ القرار.
وينبغي أن تساعد البرامج الإنسانية كبار السن على الحفاظ على التواصل مع أسرهم ومجتمعاتهم كلما أمكن ذلك. كما يجب دعم الأشخاص الذين يرعون أحفادهم، وتوفير الرعاية الصحية المناسبة لهم، وخلق فرص لمشاركة كبار السن بدلاً من التعامل معهم فقط باعتبارهم فئة هشة تحتاج إلى المساعدة.
ومع تقدم السكان في العمر حول العالم، ستصبح رعاية كبار السن جزءاً متزايد الأهمية من التخطيط الإنساني المستدام. فحماية كبار السن تعني حماية الأسر والمجتمعات بأكملها.









