متحف التعليم المصري ومكتبة الوثائق النادرة، في قلب القاهرة العريقة، وتحديدا داخل المبنى الغربي بديوان عام وزارة التربية والتعليم، يقع واحد من اهم المتاحف النوعية في الشرق الاوسط، يفتح متحف التعليم ابوابه ليحكي قصة بناء العقل المصري عبر العصور، ومن جهة ثانية يستعد المتحف حاليا لخطوة تاريخية غير مسبوقة، وبناء عليه سيتم تخصيص جناح كامل لرصد جهود الدولة المصرية في مواجهة فيروس كورونا المستجد، والهدف هو توثيق كيف نجحت مصر في الحفاظ على مستقبل طلابها منذ عام 2020، ومن ثم يجد الزائر نفسه امام ملحمة وطنية تبدأ من ريشة الكاتب الفرعوني وتصل الى احدث انظمة التابلت التعليمي، والنتيجة ان هذا الصرح يمثل ذاكرة حية لا تنام، موقع غربة نيوز ذار هذا الصرح الكبير ورصد تفاصيله كالتالي:
عتبات التاريخ.. استقبال ملكي في حضرة الفراعنة
تبدأ الرحلة من مدخل المتحف الهادئ، حيث تستقبلك لافتة ضخمة مكتوب عليها “متحف التعليم ومكتبة الوثائق”، ومن ناحية اخرى تزين المدخل تماثيل فرعونية مهيبة تعكس قيمة المعلم والمتعلم في مصر القديمة، وبالرغم من تراجع اعداد الزوار في ظل تداعيات فيروس كورونا، الا ان المكان لا يزال يحتفظ بهيبته ووقاره التاريخي، وفضلا عن ذلك يتكون المتحف من طابقين يضمان مقتنيات نادرة لا تقدر بثمن، ومن الملاحظ ان اللوحات الارشادية داخل القاعات تعمل كدليل معرفي شامل، وبناء عليه يستطيع الزائر تتبع “حدوتة” التعليم دون عناء، والسبب هو التنظيم الاحترافي الذي يربط الماضي بالحاضر في تناغم فريد.
يعود تاريخ انشاء هذا المتحف الى عام 1973، حيث اقامته وزارة المعارف العمومية بسرايا الجمعية الزراعية بالجيزة، وكان ذلك بمناسبة مرور مئة عام كاملة على انشاء ديوان المدارس، ومن جهة ثانية تم الافتتاح في عهد الوزير علي زكي باشا العرابي، وهو الوزير الثامن والاربعين في ترتيب وزراء التعليم في مصر، وبناء عليه انتقل المتحف لاحقا الى مقره الحالي ليكون قريبا من مركز صناعة القرار التعليمي، ومن ثم اصبح المتحف قبلة للباحثين والمؤرخين من كل انحاء العالم، والنتيجة ان كل ركن في هذا المبنى يحكي فصلا من فصول النهضة المصرية الحديثة.
محراب العباقرة.. من مكتب طه حسين الى شهادة عبدالناصر
اول ما يستوقف الزائر في الطابق الارضي هو المكتب الشخصي للدكتور طه حسين، حيث جلس عميد الادب العربي يوما ليقرر ان “التعليم كالماء والهواء”، ومن خلف المكتب تظهر لوحة تاريخية تضم صورا فوتوغرافية لجميع وزراء التعليم منذ عهد ديوان المدارس وحتى يومنا هذا، وبالاضافة الى ذلك يوجد ركن خاص ومثير للرئيس الراحل جمال عبدالناصر، ومن ناحية اخرى يضم هذا الركن نسخة نادرة من شهادة الثانوية العامة الخاصة بالزعيم، وفضلا عن ذلك يشاهد الزوار اول مقال صحفي نشره عبدالناصر بعنوان “رجل الحرية”، والجدير بالذكر انه كتبه وهو طالب في مدرسة النهضة عام 1934، وبناء عليه يربط المتحف بين التفوق الدراسي وبناء الشخصية القيادية.
يستعرض الطابق الارضي ايضا تفاصيل مذهلة عن التعليم في العصر الفرعوني، ومن الامثلة وجود تماثيل لاشهر رجال العلم مثل الكاتب المصري وكبير الاطباء، وبالاضافة الى ذلك يعرض هذا القسم وثائق عن اقدم جامعة في التاريخ وهي جامعة “أون” الفرعونية، ومن جهة ثانية يبرز المتحف دور المرأة المصرية في التعليم عبر العصور، حيث تظهر صور وكيلات الوزارة الرائدات مثل كريمة احمد السعيد وإحسان بدران وتحية سراج، وفضلا عن ذلك توجد صور لشخصيات ناضلت من اجل تعليم الفتاة مثل قاسم امين والشيخ محمد عبده، والهدف هو ابراز التحول الحضاري الذي قادته المرأة المصرية بفضل العلم والمعرفة.
كنوز الوثائق.. 25 الف مجلد تحرس هوية الامة
يتميز المتحف بامتلاك مكتبة وثائقية هي الوحيدة من نوعها في مصر والمنطقة، حيث تضم المكتبة وثائق نادرة صدرت لتنظيم العملية التعليمية منذ عام 1837، وبناء عليه يتجاوز عدد المجلدات بها 25 الف وثيقة اصلية ومجلد تاريخي، ومن الملاحظ ان بعض هذه الاوراق يرجع تاريخها الى اكثر من قرن ونصف من الزمان، ومن ثم تعتبر هذه المكتبة هي الحارس الامين لجميع المناهج التي درست في المدارس المصرية، وفضلا عن ذلك تسجل المكتبة كل التغيرات التي طرأت على الفكر التربوي واللوائح المدرسية، والنتيجة ان الباحث يجد في هذه المكتبة كنز المعلومات الذي لا ينضب ابدا.
تضم المكتبة ايضا تقارير البعثات العلمية المصرية الى اوروبا في القرن التاسع عشر، ومن ناحية اخرى توجد لوحات شرف تضم اسماء اعضاء هذه البعثات منذ عام 1863، وبناء عليه يستطيع الزائر معرفة كيف نقل المصريون علوم الغرب ودمجوها مع حضارتهم العريقة، ومن الملاحظ وجود تماثيل لمصطفى مختار بك اول ناظر للمعارف ورفاعة الطهطاوي رائد الاستنارة، والسبب هو تكريم هؤلاء الرواد الذين وضعوا حجر الاساس للتعليم الحديث، ومن ثم ينتقل الزائر لمشاهدة نماذج من شهادات اتمام الدراسة الابتدائية لعام 1895، والنتيجة ان هذه الوثائق تمنحنا صورة دقيقة عن جودة التعليم في ذلك الزمن الجميل.
الطابق الثاني.. فنون الصناعة وهيبة الازهر الشريف
عند صعودك الى الطابق الثاني، تكتشف عالما جديدا من التعليم الفني والجامعي، حيث يعرض القسم نماذج رائعة من اعمال التعليم الصناعي والزراعي والتجاري، وبالاضافة الى ذلك توجد ميداليات برونزية وفضية حصلت عليها المدارس الفنية في مسابقات دولية قديمة، ومن جهة ثانية يخصص المتحف مساحة واسعة للازهر الشريف كمنارة للعلم في العالم الاسلامي، وبناء عليه يظهر ماكيت ضخم يمثل الجامع الازهر وطلابه بزي العمة والقفطان، والهدف هو ابراز دور الازهر في الحفاظ على اللغة العربية ومواجهة الاستعمار الفرنسي والبريطاني، والنتيجة ان الزائر يدرك القوة الناعمة للازهر عبر التاريخ.
يضم قسم الازهر ايضا صورا لجامعة الازهر ومدينة البعوث التي اسسها الرئيس جمال عبدالناصر، وعلاوة على ذلك توجد لوحات شرف لرؤساء الجامعات المصرية منذ عام 1908، ومن الملاحظ وجود صور مرسومة للزعيم احمد عرابي بصفته خريجا من الازهر الشريف، وبناء عليه يربط المتحف بين التعليم الازهري والحركات الوطنية التحررية، ومن ثم ينتقل الزائر لمشاهدة ماكيتات تحكي قصة بناء السد العالي ودور المهندسين المصريين فيه، والسبب هو رصد العلاقة الوثيقة بين جودة المناهج التعليمية وتحقيق النهضة العمرانية الكبرى في مصر، والنتيجة ان التعليم كان دائما هو المحرك الاول للتنمية.
التربية الخاصة.. لغة “برايل” ورسالة التحدي والانسانية
يختتم المتحف جولته بقسم انساني فريد مخصص لذوي الاحتياجات الخاصة، حيث يشمل القسم نماذج لماكينة الطباعة بطريقة برايل وخرائط بارزة للمكفوفين، وعلاوة على ذلك يوجد نموذج للمصحف الشريف المكتوب بطريقة برايل، وهو ما يعكس اهتمام الدولة المبكر بهذه الفئة العزيزة من الطلاب، ومن جهة ثانية يعرض القسم صورا فوتوغرافية لطلاب الصم والبكم اثناء ممارستهم للانشطة الفنية، وبناء عليه يؤكد المتحف ان العقل المصري لا يعرف المستحيل مهما كانت الظروف، والنتيجة ان هذه اللوحة الفنية الختامية تترك اثرا عميقا في نفوس الزوار، والهدف هو توجيه رسالة امل للاجيال القادمة.
خاتمة.. توثيق ملحمة الكورونا في ذاكرة الوطن
في ختام الجولة، اكد محمود حسونة المتحدث الاعلامي للوزارة السابق ان المتحف سيضم قريبا جناح الكورونا، ومن جهة ثانية سيتم توثيق تجربة المنصات الرقمية وفصول “جوجل كلاس روم” كفترة تحول تاريخية، وبناء عليه يظل متحف التعليم هو المرآة الصادقة لتطور المجتمع المصري عبر القرون، وبالرغم من مرور الزمن سيبقى هذا المبنى الغربي يحفظ هوية مصر التعليمية للاجيال القادمة، والامل ان يظل هذا الكنز مفتوحا امام كل طالب علم ومحب للتاريخ، والنتيجة ان التعليم في مصر سيظل دائما قصة نجاح تبدأ من الماضي وتمتد نحو المستقبل المشرق.

