قانون حظر الأذان في فلسطين، أزمة جديدة أثيرة مؤخراً، حيث أن في فلسطين، لا يعد الأذان مجرد إشارة زمنية لتأدية الفريضة، بل هو “نبض الهوية” وصوت الأرض الذي لم ينقطع منذ الفتح العمري. وبناءً على ذلك، ومع تصاعد وتيرة الاستهداف الإسرائيلي للمقدسات، يبرز مشروع قانون “حظر الأذان” الذي يقوده اليمين المتطرف كواحد من أخطر التحديات التي تواجه الوجود العربي والإسلامي. علاوة على ذلك، فإنها معركة بين “الحنجرة” التي تصدح بالحق، و”القانون” الذي يسعى لفرض الصمت المطبق على جغرافيا الذاكرة التاريخية.
أولاً: مقترح “بن غفير” هندسة الصمت القسري
لقد جاء مشروع القانون الجديد برعاية حزب “عوتسما يهوديت” (عظمة يهودية) بزعامة وزير الأمن القومي إيتمار بن غفير. ومن هذا المنطلق، يسعى الاحتلال لإعادة رسم العلاقة بين الفلسطيني ومقدساته في الداخل المحتل (أراضي 48) والقدس بشكل قسري.
تشريح بنود القانون وتداعياته المادية
من ناحية أولى، يسعى الاحتلال عبر هذا التشريع إلى تحويل شعيرة الأذان من “حق إلهي” إلى “إجراء إداري” يخضع لموافقة أمنية مشروطة. وتأسيساً على ذلك، تتلخص البنود في النقاط التالية:
-
اشتراط الترخيص المسبق: حيث يمنع القانون أي مسجد من استخدام مكبرات الصوت إلا بعد الحصول على موافقة من الشرطة الإسرائيلية. بالإضافة إلى ذلك، تمنح الشرطة لنفسها الحق المطلق في تقدير “الحاجة الصوتية” لكل منطقة بشكل تعسفي.
-
نظام الغرامات الخانق: نتيجة لذلك، يفرض القانون غرامة باهظة تصل إلى 50 ألف شيكل على تركيب الأنظمة الصوتية، و10 آلاف شيكل عند التشغيل “المخالف”، وعلاوة على ما سبق، يتم تبرير ذلك تحت غطاء حماية البيئة.
-
العقيدة الأمنية خلف القانون: من جهة أخرى، يروج بن غفير للقانون تحت ستار “تحسين جودة الحياة”، ولكن في جوهره يهدف إلى إخفاء الطابع الديني العربي للمدن الساحلية والمختلطة.
ثانياً: المسجد الأقصى المبارك.. قلب المواجهة ونبض الصمود
بالتزامن مع هذه الإجراءات، يبرز المسجد الأقصى في بؤرة الاستهداف، حيث تسعى جماعات الهيكل المتطرفة لتقليص الحضور الإسلامي. ومن ثمّ، أصبح الأذان في الأقصى هدفاً مباشراً للسياسات القمعية.
واقع الأقصى تحت الحصار
لقد تميز الأقصى بأربع مآذن تاريخية شامخة. وبالرغم من ذلك، يحاول الاحتلال عزل صوتها عن محيطها.
-
تاريخ المآذن: تعود هذه المآذن للعهدين المملوكي والعثماني، وبناء عليه، فهي تجسد عمق معماري لا يمكن إنكاره.
-
إحصائيات المصلين: من جهة ثانية، يتردد على الأقصى ما بين 20 إلى 50 ألف مصلٍ يومي، وعلى الرغم من القيود، يقفز هذا الرقم في رمضان إلى ربع مليون مصلٍ، مما يثبت فشل سياسات العزل.
-
الحصار الصوتي: علاوة على ما ذكر، يعاني المؤذنون من اقتحامات غرف الأذان لقطع الأسلاك، لاسيما خلال فترات الاقتحامات الاستيطانية الصباحية.
ثالثاً: التاريخ النضالي للمآذن.. قصص الحناجر الصامدة
في سياق متصل، لم يكن الأذان يوماً بعيداً عن ساحة المعركة، بل كان المؤذن هو “المنادي” الأول للحرية. وعلى هذا الأساس، ارتبطت أسماء عائلات فلسطينية بقدسية هذا النداء.
سير نضالية من فوق المنابر
-
عائلة القزاز (حراس الإرث): لقد توارثت هذه العائلة رفع الأذان في المسجد الأقصى منذ قرابة 500 عام، بناءً عليه، يمثل الشيخ ناجي القزاز حلقة في سلسلة صمود تاريخية، وبالرغم من الاعتقال، يرفضون ترك مكانهم خلف الميكروفون.
-
المؤذنون الأسرى: في المقابل، يواجه المؤذنون في اللد والرملة ملاحقات قضائية بتهمة “إزعاج الجوار”، ومن الأمثلة على ذلك، تجربة الشيخ يوسف الباز الذي ربط بين المنبر والشارع.
-
تلاحم المآذن والأجراس: إضافة إلى ذلك، سطّر الفلسطينيون ملحمة وحدة وطنية عام 2017، حيث رفعت الكنائس الأذان تضامناً مع المساجد، وهذا يؤكد أن القضية هي قضية وطن لا قضية طائفة.
رابعاً: الأرقام تتحدث.. إحصائيات التضييق الممنهج
من أجل توضيح حجم الجريمة، يجب النظر إلى الأرقام التي تعكس سياسة “الأبارتهايد الصوتي” الإسرائيلية.
عدد المساجد المستهدفة
لقد توزعت المساجد المستهدفة جغرافياً بشكل مدروس من قبل الاحتلال:
-
داخل الخط الأخضر: يوجد ما يقرب من 400 مسجد تخدم مليوني فلسطيني. ونتيجة لهذا القانون، أصبحت هذه المساجد مهددة بالصمت القسري.
-
المسجد الإبراهيمي في الخليل: من ناحية أخرى، يسجل الحرم الإبراهيمي الرقم القياسي في منع الأذان، حيث يُمنع أكثر من 600 مرة سنوياً. وهذا المنع يأتي عادة بحجة توفير الهدوء للمستوطنين.
جدول مقارنة: استهداف الشعائر الصوتية
| المنطقة | عدد المساجد | وتيرة الاستهداف | نوع الانتهاك |
| القدس القديمة | 35 مسجداً | يومي | قطع الكهرباء |
| يافا وعكا | 12 مسجداً | أسبوعي | دعاوى قضائية |
| الخليل (الإبراهيمي) | 1 (رئيسي) | 600+ مرة/سنة | منع كامل للأذان |
خامساً: موقف مجلس الإفتاء الأعلى.. التحذير من الانفجار
لقد وضع مجلس الإفتاء الأعلى هذا القانون في سياقه التاريخي والسياسي الخطير، وبناءً على بيانه الأخير، يمكن تلخيص الموقف في النقاط التالية:
-
خرق المواثيق الدولية: حيث ان القانون ينتهك المادة 18 من الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، بالإضافة إلى ذلك، يخالف اتفاقيات جنيف الرابعة.
-
المسجد الأقصى خط أحمر: ومن هنا، حذر المجلس من أن المساس بالأذان هو فتيل سيشعل المنطقة بأكملها.
-
دعوة للمواجهة: ختاماً في هذا السياق، طالب المجلس المواطنين بالتمسك بحقهم في رفع الأذان، باعتبار ذلك جزءاً أصيلاً من العقيدة.
سادساً: الأبعاد القانونية والدولية لمقترح القانون
من منظور قانوني دولي، يرى الخبراء أن هذا القانون هو تطبيق لسياسة “التمييز العنصري”، وفي الواقع، بينما يتم حظر الأذان بدعوى الإزعاج، تقام الاحتفالات الصاخبة للمستوطنين بمكبرات ضخمة. ونتيجة لذلك، يتضح أن الهدف ليس “البيئة”، بل هو “المحو الثقافي” الشامل، وعلى صعيد آخر، يرفض المجتمع الدولي عادة التدخل في الشؤون الدينية، مما يعطي الاحتلال ضوءاً أخضر للاستمرار.
سابعاً: الأذان كأداة للمقاومة الثقافية
في ظل محاولات طمس المعالم، تحول الأذان إلى أداة صمود حيوية، ومن خلاله، يتم تحقيق الأهداف التالية:
-
تثبيت ملكية الأرض: حيث إن الأذان يذكر الجميع بأن الأرض لها جذور عربية.
-
التواصل الاجتماعي: بالإضافة إلى ذلك، يعد الأذان وسيلة للتكافل في القرى المحاصرة.
-
كسر الحصار: علاوة على ذلك، استخدمه الفلسطينيون تاريخياً لتحدي إجراءات القمع.
ثامناً: الخاتمة.. صوتٌ أعمق من الرصاص
إن الصراع على مآذن فلسطين هو في جوهره صراع على “الوجود”، وبالنظر إلى كل ما سبق، يدرك المحتل أن الأذان هو “المنبه” الذي يوقظ الانتماء. ولكن بالرغم من كل المحاولات، يخبرنا التاريخ أن الغزاة يرحلون وتظل المآذن شاهدة. وبناءً على هذه الحقائق، فإن قانون بن غفير لن يمر في الوجدان الشعبي. وختاماً، سيبقى الأذان يتردد في سماء القدس ويافا ليعلن أن “الله أكبر” ستبقى دائماً أعلى من قرارات المحتل وقوانينه الجائرة. وهكذا، تظل الحنجرة الفلسطينية هي المنتصر الأخير في هذه المعركة الطويلة.

