بين أزقة “حلمية الزيتون” المزدحمة بضجيج الحياة، وحيث تختلط أصوات الباعة بهدير المحركات، ترتسم قصة كفاح مصرية بطلتها امرأة لم تكسرها الظروف، بل صهرتها لتصبح أيقونة للصمود. صباح محمد، سيدة في الرابعة والأربعين من عمرها، لم تكن تبحث عن الشهرة أو كسر القواعد حينما قررت الجلوس خلف مقود “التوكتوك”، بل كانت تبحث عن “الستر” وسط أمواج عاتية من الأزمات الشخصية والمادية.
عندما تشتد الأزمات: خلفيات الخروج للشارع
لم تكن حياة صباح هادئة يوماً، لكن العواصف بدأت تشتد حينما مرض زوجها بالسرطان وأصبح غير قادر على العمل. وبينما كانت تعتمد على ابنها الأكبر ليشد من أزرها، اختطفه الموت في حادث سيارة مفاجئ، تاركاً خلفه طفلاً صغيراً تولت هي تربيته، لينضم إلى قائمة أبنائها الذين يحتاجون لكل قرش لتأمين لقمة العيش.
تقول صباح إن بيتها كان يحتاج إلى المال بشكل عاجل، فقررت شراء “توكتوك” مستعمل من الأرياف بمبلغ 17 ألف جنيه، جمعت قيمته بشق الأنفس عبر “جمعية” مع صديقاتها. في البداية، حاولت تأجيره للسائقين لتعول أسرتها، لكنها اكتشفت أنهم يعيدون الماكينة “متكسرة” ومتهالكة، وهنا اتخذت القرار المصيري: “سأقود بنفسي”.
ساعة واحدة غيّرت الموازين
في مجتمع قد ينظر بريبة لامرأة تقود وسيلة مواصلات شعبية مرتبطة بالرجال، لم تتردد صباح. لجأت لأحد السائقين ليعلمها المبادئ الأساسية، وأدركت سريعاً تشابهه مع الدراجة البخارية في نقل الغيارات. وفي ساحة خالية، وخلال ساعة زمن واحدة فقط، كانت صباح قد أتقنت القيادة دون تكلفة مادية أو إرهاق لأحد، لتصبح أول سيدة تمتهن هذه المهنة في منطقتها منذ 11 عاماً.
لم يقتصر كفاح صباح على القيادة فحسب، بل إنها تجمع بين مهنتين شاقين. فهي تعمل على “التوكتوك” لمدة أربع ساعات صباحاً، ثم تتحول في الظهيرة إلى مهنة أخرى ورثتها عن جدها وهي “سن السكاكين”. ورغم أن التوكتوك متعب، إلا أنها تراه “أريح” من التجول بحقيبة السكاكين الثقيلة على ظهرها، وأجره مضمون ومعروف.
بين احترام الجيران ومضايقات الغرباء
تتحدث صباح بامتنان عن أهل منطقتها في “حلمية الزيتون”، فهم يعرفون “أصلها” وكفاحها منذ طفولتها، لذا لم تتعرض لمضايقات أثناء عملها في التوكتوك، بل إن شباب المنطقة يعاملونها كأم لهم. لكن المعاناة الحقيقية تظهر في مهنة سن السكاكين؛ حيث تضطر للتجول في الشوارع، وهناك تصطدم ببعض الرجال الذين يسيئون الظن بالمرأة المتجولة.
تقول صباح بكل عزة نفس: “احتياجي للمال هو الذي جعلني أخرج للشارع”، وهي تواجه أي مضايقة برد حازم يخرس المتطاولين. تفتخر بأن سجلها لدى الشرطة “أبيض”، وأنها لم تمد يدها يوماً لحاجة غيرها، رغم التحديات والمطاردات من المسؤولين لوقف عمل التكاتك في الشوارع.
رسالة الصمود
تمثل صباح محمد نموذجاً للمرأة المصرية التي لا تعرف المستحيل. هي سيدة تعمل من الصباح الباكر حتى التاسعة مساءً، تتنقل بين مقود “التوكتوك” وحجر “سن السكاكين”، لتعود في نهاية اليوم راضية بما قسمه الله لها، حاملةً همّ علاج زوجها وتربية أبنائها وحفيدها. قصة صباح ليست مجرد تقرير عن سائقة، بل هي ملحمة إنسانية عن الكرامة التي تُبنى من عرق الجبين وسط زحام الحياة الصعب.
واقع الأرقام (حتى نهاية 2024)
-
عدد المركبات: تشير أحدث بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء إلى وجود حوالي 186,918 توكتوك مرخص في مصر بنهاية عام 2024.
-
القطاع غير الرسمي: تقدّر روابط مالكي “التكاتك” والتقارير الاقتصادية أن العدد الفعلي يتراوح بين 5 إلى 5.4 مليون مركبة، مما يعني أن الغالبية العظمى تعمل خارج الإطار الرسمي.
-
التمثيل النسائي: تُصنف مهنة قيادة التوكتوك كمهنة “ذكورية” بامتياز في الثقافة الشعبية المصرية. نسبة النساء فيها تُعد ضئيلة جداً ولا تتعدى كسوراً عشرية بسيطة من إجمالي السائقين.
2. لماذا تصعب معرفة النسبة بدقة؟
-
الوصمة الاجتماعية: تواجه النساء اللواتي يعملن في هذه المهنة تحديات اجتماعية كبيرة، مما يجعل الكثير منهن يفضلن العمل في مناطقهن الضيقة فقط لضمان الأمان والاحترام من الجيران.
-
غياب التراخيص: بما أن معظم “التكاتك” غير مرخصة، فلا توجد سجلات حكومية تصنف السائقين حسب النوع (ذكر/أنثى).
-
العمل تحت الضرورة: أغلب النماذج النسائية في هذا المجال، مثل حالة “صباح محمد”، خرجن للعمل نتيجة ظروف قهرية (مرض الزوج أو وفاة المعيل)، وليس كاختيار مهني أولي.
3. مقارنة بقطاعات النقل الأخرى
على عكس “التوكتوك”، بدأت النساء في القاهرة باقتحام مجالات النقل الرسمي بنسب مرصودة:
-
المترو: شهد عام 2022 تعيين أول سائقات لمترو الأنفاق في القاهرة.
-
تطبيقات النقل الذكي: هناك توجه متزايد لعمل النساء في شركات مثل “أوبر” و”دي دي”، بل وظهرت تطبيقات مخصصة للسيدات (مثل “فيونكا”) لضمان الأمان وتجاوز العقبات الاجتماعية.
الخلاصة: بينما يبلغ عدد السائقين (الذكور غالباً) قرابة 5 ملايين شخص في هذا القطاع الحيوي، تظل قصص السائقات مثل صباح محمد نماذج فردية ملهمة، لكنها لم تتحول بعد إلى ظاهرة إحصائية ملموسة يمكن قياسها بنسبة مئوية واضحة في القاهرة.

