العسل يرتبط في أذهان كثير من الناس بعلاجات طبيعية متعددة، ويضعه البعض في مقدمة الحلول المنزلية لحرقة المعدة والشعور بالحموضة بعد الأكل.
ويستند هذا الاعتقاد إلى فكرة أن العسل مادة طبيعية لطيفة، ويمكنه تهدئة الجهاز الهضمي وتخفيف تهيج المريء الناتج عن صعود أحماض المعدة.
ومع مرور الوقت، تحولت هذه الفكرة إلى نصيحة متداولة، رغم أن الطب الحديث ينظر إليها بنظرة أكثر حذرا وتحفظا.
الدراسات الحديثة لا تقدم دعما واضحا لاستخدام العسل كعلاج مباشر لحرقة المعدة، بل تشير في حالات معينة إلى نتائج عكسية قد تزيد الشعور بالانزعاج.
ماذا يحدث في المعدة بعد تناول العسل
يحتوي العسل على سكريات بسيطة وسريعة الامتصاص، وهو ما يجعل الجسم يتعامل معه بشكل مختلف عن الأطعمة المعقدة.
وعند دخول العسل إلى الجهاز الهضمي، يرتفع مستوى السكر في الدم خلال وقت قصير، وهو ما يؤدي إلى تغيرات داخل المعدة والأمعاء.
هذا الارتفاع السريع يسبب زيادة الضغط داخل الجهاز الهضمي، ويؤدي إلى تمدد المعدة بدرجات متفاوتة، خاصة عند تناوله بعد وجبة كبيرة.
ومع تمدد المعدة، تزداد فرص ارتجاع الحمض إلى المريء، وهو العامل الرئيسي المسؤول عن الشعور بالحرقة في الصدر والحلق.
لهذا السبب، يشعر بعض الأشخاص بازدياد الحموضة بعد تناول العسل، رغم أنه يبدو خيارا صحيا من الخارج.
لماذا يشعر البعض بالراحة بعد تناول العسل
رغم التحذيرات الطبية، يصر بعض الأشخاص على أنهم يشعرون براحة مؤقتة بعد تناول العسل عند الإصابة بحرقة المعدة.
ويرجع هذا الشعور غالبا إلى قوام العسل اللزج، الذي يعطي إحساسا مؤقتا بتغطية المريء وتقليل الإحساس بالحرقان.
لكن هذا التأثير لا يدوم طويلا، لأن العسل لا يبقى في المريء فترة كافية ليمنح حماية حقيقية أو طويلة الأمد.
كما أن مضادات الأكسدة الموجودة في العسل لا تبدأ عملها إلا بعد امتصاصها في الأمعاء، وليس أثناء مرورها السريع عبر المريء.
متى يصبح العسل خيارا مزعجا لمرضى الحموضة
يتحول العسل إلى عامل مزعج عندما يتناوله الشخص بكميات كبيرة أو على معدة ممتلئة بالطعام.
كما تزيد المشكلة وضوحا لدى المصابين بارتجاع المريء المزمن أو ضعف العضلة الفاصلة بين المعدة والمريء.
وفي هذه الحالات، يؤدي العسل إلى زيادة الضغط داخل المعدة، مما يسهل صعود الأحماض ويضاعف الشعور بالحرقان.
لذلك لا ينصح باستخدامه كحل دائم أو أساسي لعلاج حرقة المعدة دون تقييم الحالة الصحية بشكل دقيق.
بدائل غذائية أكثر أمانا لتهدئة الحموضة
ينصح الأطباء بالاعتماد على أطعمة خفيفة تساعد على امتصاص الحمض أو تقليل إفرازه بدلا من اللجوء إلى السكريات البسيطة.
الحليب الخالي من الدسم قد يمنح راحة مؤقتة، لأنه يقلل ملامسة الحمض لجدار المعدة دون تحفيز إفراز جديد.
كما تلعب الأطعمة الغنية بالألياف دورا مهما في تنظيم الهضم وتقليل الضغط داخل المعدة.
ومن أبرز هذه الأطعمة الشوفان، والبطاطا الحلوة، والجزر، والبروكلي، والفاصوليا الخضراء.
هذه الخيارات تساعد على الشعور بالشبع لفترة أطول، مما يقلل نوبات الارتجاع المتكررة.
نمط الحياة وتأثيره المباشر على حرقة المعدة
لا يعتمد التحكم في الحموضة على الطعام فقط، بل يرتبط بشكل مباشر بالعادات اليومية ونمط الحياة.
تناول الطعام ببطء يمنح المعدة فرصة أفضل للهضم ويقلل دخول الهواء إلى الجهاز الهضمي.
كما يساعد الانتظار فترة كافية قبل النوم بعد العشاء على تقليل ارتجاع الحمض أثناء الليل.
ويؤدي رفع الرأس أثناء النوم إلى تقليل وصول الحمض إلى المريء بشكل واضح.
كذلك يساهم تقليل القهوة والمشروبات الغازية والأطعمة الدهنية في تحسين الأعراض على المدى الطويل.
الخلاصة الصحية
العسل ليس علاجا سحريا لحرقة المعدة كما يعتقد البعض، وقد يتحول في حالات كثيرة إلى عامل يزيد الأعراض بدلا من تهدئتها.
الاعتماد على نظام غذائي متوازن، مع تعديل نمط الحياة، يظل الحل الأكثر أمانا وفعالية.
وعند استمرار الأعراض أو تكرارها بشكل مزعج، يصبح استشارة الطبيب خطوة ضرورية لتحديد السبب ووضع خطة علاج مناسبة.
الصحة الهضمية لا تتحقق بالحلول السريعة، بل بالوعي والالتزام بعادات صحية ثابتة تحمي المعدة على المدى البعيد.

