المحكمة الجنائية الدولية والسودان؛ يمثل هذا الملف القضائي المعقد جوهر الصراع بين مطالب العدالة وبين التوازنات السياسية على الارض.
بناء على ذلك دعت مستشارة العدالة الدولية في منظمة هيومن رايتس ووتش تمارا ابو رمضان السلطات السودانية الى التحرك العاجل.
علاوة على ذلك طالبت ابو رمضان بضرورة تسليم كافة المطلوبين الفارين من العدالة الدولية دون اي تاخير اضافي.
ومن هذا المنطلق اوضحت المنظمة ان الرئيس السابق عمر البشير ياتي على راس قائمة الشخصيات التي يجب مثولها امام لاهاي.
بالاضافة الى ذلك شدد المقال المنشور على موقع المنظمة على اهمية دعم الحكومات لعمل المحكمة من اجل انصاف الضحايا.
ومن ناحية اخرى اقترحت المنظمة توسيع نطاق اختصاص المحكمة ليشمل جميع الاراضي السودانية بدلا من اقليم دارفور فقط.
ونتيجة لذلك شملت التوصيات بحث امكانية انشاء محكمة دولية خاصة تعنى بالجرائم المرتكبة في السودان بشكل شامل.
وفضلا عن ذلك دعت المنظمة الدول الى تفعيل مبدا الولاية القضائية العالمية لملاحقة الجناة في اي مكان حول العالم.
تفاصيل الاتهامات من هم المطلوبون وما هي طبيعة جرائمهم
في واقع الامر لا تزال المحكمة الجنائية الدولية تطالب بتسليم ثلاثة من كبار المسؤولين في النظام السوداني السابق.
وتاسيسا على ما سبق ياتي عمر حسن احمد البشير كابرز المطلوبين الذين يواجهون تهما ثقيلة تتعلق بجرائم ارتكبت في دارفور.
اذ ان البشير يواجه اتهامات مباشرة بارتكاب جرائم حرب وجرائم ضد الانسانية فضلا عن تهمة الابادة الجماعية.
وجدير بالذكر ان المحكمة اصدرت اول مذكرة توقيف بحقه في مارس 2009 ثم اتبعتها بمذكرة ثانية في يوليو 2010.
اما بالنسبة الى عبد الرحيم محمد حسين وزير الدفاع الاسبق فهو مطلوب ايضا بتهم تتعلق بانتهاكات صارخة في دارفور.
وعلى غرار ذلك يبرز اسم احمد محمد هارون المسؤول الحكومي السابق ورئيس حزب المؤتمر الوطني المنحل.
ومن المثير للاهتمام ان مذكرة توقيف هارون الصادرة في عام 2007 تتضمن وحدها 42 تهمة جنائية دولية متنوعة.
خلفية تاريخية دقيقة قصة صعود وسقوط البشير وازمة دارفور
بشكل اساسي بدا التاريخ السياسي الحديث للبشير عندما قاد انقلابا عسكريا في 30 يونيو 1989 ضد الحكومة المنتخبة.
ومنذ ذلك الحين احكم البشير قبضته على السلطة في السودان لمدة امتدت لثلاثة عقود كاملة من الزمان.
ولكن في عام 2003 تحولت الانظار نحو اقليم دارفور جراء اندلاع صراع مسلح عنيف بين الحكومة وحركات متمردة.
وبسبب هذه الاحداث اتهمت حكومة البشير باستخدام القوة المفرطة وشن هجمات استهدفت المدنيين بشكل ممنهج وقاس.
وبناء على تقارير الامم المتحدة اسفر النزاع عن مقتل نحو 300 الف شخص ونزوح الملايين من ديارهم الى المخيمات.
اضافة الى ذلك تدخل مجلس الامن الدولي في عام 2005 واحالت الامم المتحدة ملف دارفور رسميا الى المحكمة الدولية.
واثر ذلك بدات التحقيقات الدولية التي انتهت باصدار مذكرات التوقيف الشهيرة ضد رموز النظام السابق الحاكم.
واخيرا انتهت حقبة البشير في 11 ابريل 2019 بعد انتفاضة شعبية واسعة اطاحت بحكمه ووضعته في السجن.
الجدل السياسي هل يتعاون الجيش فعليا مع العدالة الدولية
في سياق متصل شكك الدكتور نصر الدين عبد الباري وزير العدل السابق في جدية السلطات الحالية في تسليم المطلوبين.
وبالمقابل تساءل عبد الباري عما اذا كان التعاون الحالي مع المحكمة هو التزام حقيقي ام مجرد مناورة سياسية مكشوفة.
اذ يرى ان الطريقة التي ستتعامل بها سلطة بورتسودان ستكشف حقيقة نواياها تجاه ملف العدالة الانتقالية والقصاص.
ولاسيما ان قيادة الجيش كانت في وقت سابق تعارض بشدة فكرة تسليم البشير خلال فترة الحكومة الانتقالية السابقة.
ومن ثم يخشى مراقبون ان يتم توظيف ملف المحكمة الجنائية الدولية والسودان كاداة في الصراع العسكري الدائر حاليا.
العوائق القانونية كيف تعثر قرار التسليم الرسمي للمحكمة
على الرغم من ان الحكومة الانتقالية برئاسة عبد الله حمدوك اجازت قرار التسليم في يونيو 2021 الا ان التنفيذ تعثر.
والسبب في ذلك يعود الى عدم عقد الاجتماع المشترك بين مجلسي السيادة والوزراء لاعتماد القرار بشكل نهائي وقطعي.
وللاسف جاء الانقلاب العسكري في 25 اكتوبر 2021 ليضع حدا لهذه المساعي القانونية والسياسية التي بدات حينها.
ونتيجة لهذا الانسداد ظل المطلوبون داخل السودان دون ان يتم ترحيلهم الى مقر المحكمة في مدينة لاهاي الهولندية.
ومن هنا تجددت الدعوات الدولية حاليا بضرورة احياء ذلك الملف لضمان عدم ضياع حقوق الضحايا والنازحين والارامل.
رؤية مستقبلية العدالة كطريق وحيد لتحقيق الاستقرار
في الختام يبدو ان ملف المحكمة الجنائية الدولية والسودان سيظل مفتوحا على كافة الاحتمالات والسيناريوهات الممكنة.
وبالمحصلة فان تحقيق العدالة لا يمثل مطلبا حقوقيا فحسب بل هو ضرورة قصوى لتحقيق السلام الدائم والشامل.
ولهذا السبب تواصل المنظمات الدولية ضغوطها لضمان محاسبة كل من تورط في انتهاكات ضد المدنيين العزل في دارفور.
وعليه فان استجابة السلطات السودانية لهذه المطالب ستحدد شكل علاقتها المستقبلية مع المجتمع الدولي والمنظمات الاممية.
لذلك سيبقى موقع غربة نيوز متابعا دقيقا لكل التطورات المتعلقة بهذا الملف الوطني والدولي الهام والحساس للغاية.
ومن الواضح ايضا ان المجتمع الدولي لن يتنازل عن ملاحقة المطلوبين مهما طال الزمن او تغيرت الموازين السياسية.
وبالتالي فان الكرة الان في ملعب سلطة الامر الواقع لاثبات جديتها في تطبيق القانون الدولي واحترام التزاماتها.
شاركنا برايك هل تعتقد ان تسليم البشير في هذا التوقيت سيساهم في استقرار السودان ام سيزيد من تعقيد المشهد؟

