مواهب غزة الكروية،في وقت ما تزال فيه آثار الحرب الإسرائيلية ترسم ملامح المشهد اليومي في قطاع غزة، برزت مبادرات شبابية ورياضية تسعى إلى إعادة الحياة إلى مساراتها الطبيعية، ولو بشكل جزئي. ومن بين هذه المبادرات تواصل أكاديمية نادي الدرج الرياضي للناشئين نشاطها في مدينة غزة، متحدية واقع الدمار ونقص الإمكانات، ومتمسكة برسالتها في احتضان المواهب الرياضية الناشئة ومنح الأطفال مساحة آمنة للعب والتعلم والتعبير عن أنفسهم.
وتعمل الأكاديمية في ظروف استثنائية فرضتها الحرب التي خلفت أضرارًا واسعة في البنية التحتية الرياضية، ودمرت العديد من الملاعب والمنشآت والأندية. ومع ذلك، يواصل القائمون عليها جهودهم لتوفير بيئة رياضية مناسبة للأطفال الذين عانوا ويلات الحرب، وعاشوا أشهرًا طويلة تحت ضغوط نفسية واجتماعية كبيرة.
مواهب غزة الكروية،أكاديمية رياضية تنبض بالحياة رغم الدمار
افتتحت أكاديمية نادي الدرج الرياضي نشاطها مجددًا في حي الدرج بمدينة غزة. واستقبلت عشرات الناشئين الراغبين في ممارسة كرة القدم وتطوير مهاراتهم الرياضية.
وتستقبل الأكاديمية لاعبين تتراوح أعمارهم بين 8 و16 عامًا. كما قسمت المشاركين إلى فئتين عمريتين لضمان تحقيق أفضل استفادة ممكنة من البرامج التدريبية.
وضمت الفئة الأولى الأطفال من 8 إلى 11 عامًا، بينما شملت الفئة الثانية اللاعبين من 12 إلى 16 عامًا. وخضع اللاعبون لبرنامج تدريبي منتظم يتضمن حصتين أسبوعيتين خلال الفترتين الصباحية والمسائية.
وحرص المدربون على تقديم تدريبات تتناسب مع الفئات العمرية المختلفة. كما ركزوا على تطوير المهارات الأساسية في كرة القدم، إلى جانب تعزيز الجوانب البدنية والذهنية لدى اللاعبين.
مواهب غزة الكروية،أهداف تتجاوز حدود المستطيل الأخضر
لم يقتصر دور الأكاديمية على تعليم كرة القدم فقط. بل وضعت أهدافًا أوسع ترتبط ببناء شخصية الطفل وتعزيز ثقته بنفسه.
وأكد القائمون على الأكاديمية أن المشروع يهدف إلى إعداد جيل رياضي قادر على المنافسة مستقبلًا في البطولات المحلية والدوريات الفلسطينية. كما يسعى إلى اكتشاف المواهب الكروية الواعدة والعمل على تطويرها وفق أسس تدريبية حديثة.
وفي الوقت ذاته، ركزت الأكاديمية على الجانب النفسي والاجتماعي للأطفال. لذلك وفرت لهم مساحة للتفاعل والتواصل والابتعاد عن أجواء الخوف والتوتر التي خلفتها الحرب.
ويرى المشرفون أن الرياضة أصبحت وسيلة فعالة لمساعدة الأطفال على تجاوز الصدمات النفسية. كما تمنحهم فرصة لاستعادة جزء من حياتهم الطبيعية التي فقدوها خلال الأشهر الماضية.
مواهب غزة الكروية،الحرب تترك آثارها على الرياضة الفلسطينية
فرضت الحرب واقعًا صعبًا على القطاع الرياضي في غزة. إذ تعرضت العديد من الملاعب والمنشآت الرياضية للتدمير أو التضرر بشكل كبير.
وأدى هذا الوضع إلى تراجع الأنشطة الرياضية وانخفاض فرص التدريب أمام الأطفال والشباب. كما واجهت الأندية صعوبات كبيرة في مواصلة برامجها بسبب نقص الموارد والإمكانات.
وفي هذا السياق، جاءت أكاديمية نادي الدرج لتشكل نافذة أمل جديدة. إذ سعت إلى الحفاظ على استمرارية النشاط الرياضي رغم التحديات المتزايدة.
وأكد المشرفون أن استمرار التدريبات يمثل رسالة مهمة تؤكد قدرة المجتمع على التمسك بالحياة ومواصلة العمل رغم الظروف القاسية.
مواهب غزة الكروية،نقص المعدات يعرقل العمل اليومي
تواجه الأكاديمية تحديات كبيرة تتعلق بنقص المستلزمات الرياضية الأساسية.
وأوضح القائمون على المشروع أن عددا من اللاعبين يتدربون من دون زي رياضي موحد بسبب عدم توفر الكميات المطلوبة. كما يعاني المدربون من نقص واضح في المعدات التدريبية الضرورية.
ويشمل هذا النقص الكرات والأقماع والسلالم التدريبية والأهداف الصغيرة المستخدمة في تطوير المهارات الفردية والجماعية.
ويؤثر غياب هذه الأدوات بشكل مباشر على جودة العملية التدريبية. ومع ذلك، يواصل المدربون ابتكار حلول بديلة تساعدهم على تنفيذ البرامج التدريبية بأفضل صورة ممكنة.
وفي المقابل، يحاول اللاعبون التكيف مع الظروف الحالية. ويواصلون المشاركة في التدريبات رغم كل الصعوبات.
مواهب غزة الكروية،ارتفاع الأسعار يزيد الأزمة تعقيدًا
لم يتوقف الأمر عند نقص المعدات فقط. بل شهدت أسعار المستلزمات الرياضية ارتفاعًا كبيرًا بعد الحرب.
وأشار المشرفون إلى أن كرة القدم التي كان سعرها قبل الحرب نحو 80 شيكلًا، ارتفع سعرها في بعض الأحيان إلى نحو 400 شيكل.
وأدى هذا الارتفاع إلى زيادة الأعباء المالية على الأكاديمية والأسر على حد سواء. كما أصبحت بعض الأدوات الرياضية نادرة الوجود في الأسواق المحلية.
وتسبب هذا الواقع في صعوبة توفير احتياجات اللاعبين. الأمر الذي دفع إدارة الأكاديمية إلى مطالبة المؤسسات الرياضية والجهات الداعمة بالتدخل لتأمين المستلزمات الأساسية.
أرضية الملعب تثير المخاوف
تواجه الأكاديمية مشكلة أخرى تتعلق بملعب التدريب نفسه.
ويعتمد اللاعبون على أرضية من النجيل الصناعي مضى على تركيبها نحو عشر سنوات. بينما توصي المعايير الرياضية بتجديد هذه الأرضيات كل خمس سنوات تقريبًا.
وأدى تقادم النجيل الصناعي إلى زيادة احتمالات التعرض للإصابات. كما تسبب في ارتفاع معدلات الانزلاق أثناء التدريبات.
وأعرب اللاعبون والمدربون عن قلقهم من استمرار التدريب على هذه الأرضية. وطالبوا بتوفير نجيل جديد يحسن مستوى السلامة ويمنح اللاعبين بيئة أكثر ملاءمة للتطور الرياضي.
وفي المقابل، حرصت الأكاديمية على وجود طبيب خلال فترات التدريب. وتابع الطبيب الحالات الصحية للاعبين وتدخل عند الحاجة لتقديم الرعاية اللازمة.
محمد شتيوي.. تجربة شخصية مع الحرب والرياضة
أكد الكابتن محمد ربحي شتيوي، اللاعب السابق في المنتخب الفلسطيني وعدد من الأندية الفلسطينية، أهمية الدور الذي تؤديه الأكاديمية في حياة الأطفال.
وأوضح أن الطاقم التدريبي لا يركز فقط على تعليم مهارات كرة القدم، بل يهتم أيضًا بالجوانب النفسية والترفيهية والتربوية.
وأشار إلى أن الأطفال الذين عاشوا أجواء الحرب يحتاجون إلى برامج تساعدهم على استعادة التوازن النفسي والاجتماعي.
وتحدث شتيوي عن تجربته الشخصية خلال الحرب. وكشف أنه تعرض لإصابة بعد نجاته من مجزرة وقعت في السادس من ديسمبر/كانون الأول 2023.
وأضاف أن الإصابة أبعدته عن الملاعب لفترة طويلة. لكنه تمكن لاحقًا من العودة إلى التدريب واستئناف نشاطه الرياضي.
وأكد أن الأكاديمية تعمل في ظروف صعبة للغاية. ومع ذلك يواصل المدربون أداء رسالتهم بإصرار كبير.
مشروع لبناء مستقبل رياضي جديد
أوضح شتيوي أن نادي الدرج لا يشارك حاليًا ضمن منظومة الاتحاد الفلسطيني لكرة القدم لأنه يصنف ضمن أندية الشباب.
ومع ذلك، يواصل القائمون على النادي العمل من أجل إعداد جيل قادر على إعادة النادي إلى المنافسات الرسمية في المستقبل.
كما يسعون إلى رفد الأندية الفلسطينية والمنتخبات الوطنية بالمواهب الواعدة التي تمتلك القدرة على تمثيل فلسطين في المحافل المختلفة.
ويرى العاملون في الأكاديمية أن الاستثمار في الأطفال اليوم سيؤتي ثماره خلال السنوات المقبلة.
اللاعبون يتمسكون بأحلامهم
رغم كل الصعوبات، يواصل اللاعبون التمسك بطموحاتهم الرياضية.
وأكد الطالب مصطفى البربار أنه التحق بالأكاديمية بهدف تطوير مستواه الفني وتحقيق حلمه في تمثيل المنتخب الفلسطيني.
وأشار إلى أن أرضية الملعب وعدم توفر زي موحد لجميع اللاعبين يمثلان أبرز العقبات التي تواجههم خلال التدريبات.
وفي السياق ذاته، أعرب اللاعب أحمد غزال عن رغبته في تطوير موهبته والانضمام إلى المنتخب الفلسطيني مستقبلاً.
وأوضح أن اللاعبين يحتاجون إلى نجيل جديد للملعب بسبب كثرة الانزلاقات. كما يحتاجون إلى عدد أكبر من كرات القدم لتحسين مستوى التدريبات.
الرياضة كسلاح لمواجهة آثار الحرب
أكد المدرب عليان الزيتونية، الحاصل على الشهادة الآسيوية في كرة القدم، أن استمرار النشاط الرياضي في غزة يحمل رسالة مهمة.
وأوضح أن الحرب لم تستهدف البشر فقط، بل طالت أيضًا البنية التحتية الرياضية والمنشآت المخصصة لرعاية المواهب.
ومع ذلك، يواصل المدربون عملهم للحفاظ على أحلام الأطفال ومنحهم فرصة لممارسة الرياضة وتطوير قدراتهم.
وأضاف أن الأكاديمية تمثل نموذجًا للصمود والإصرار. كما تعكس رغبة المجتمع الغزي في التمسك بالحياة رغم كل التحديات.
وفي خضم الدمار ونقص الإمكانات، تواصل أكاديمية نادي الدرج الرياضي أداء رسالتها الإنسانية والرياضية. وتمنح الأطفال فرصة للهروب من أجواء الحرب نحو ملاعب تحمل لهم الأمل والطموح. كما تفتح أمامهم أبواب المستقبل، وتؤكد أن الأحلام الكبيرة يمكن أن تنمو حتى بين الركام عندما تتوافر الإرادة والإصرار.








