تتصدر الواجهة السياسية في لبنان اليوم ملامح مقترح أمريكي جديد، يهدف إلى تغيير قواعد اللعبة في الجنوب اللبناني. حيث كشف قائد الجيش، العماد جوزيف عون، عن توجه واشنطن لتعديل آلية العمل الميداني بشكل جذري. وبناءً على هذا الطرح، سيصبح الجيش اللبناني الجهة الوحيدة المسؤولة عن التحقق من “المزاعم الإسرائيلية”. وتشمل هذه المهام تفتيش المنشآت المدنية والمنازل التي يشتبه الاحتلال بوجود أسلحة فيها.
تحولات في الموقف الدبلوماسي
ومن ناحية أخرى، كشفت مصادر صحفية عن تبدل ملموس في الخطاب الأمريكي. فقد عبر المبعوث توم براك والسفير ميشال عيسى عن تفهمهما للتحديات التي تواجه المؤسسة العسكرية. ومع ذلك، ربط الجانب الأمريكي هذا التفهم بضرورة “استعادة الثقة” الدولية بالجيش. ونتيجة لذلك، طالبت واشنطن بجدول زمني واضح لتنفيذ المرحلة الأولى من نزع السلاح جنوب نهر الليطاني. علاوة على ذلك، اعتبر الأمريكيون أن قبول هذه الآلية هو الشرط الأساسي لفتح أبواب الدعم المالي من فرنسا والمملكة العربية السعودية.
مساومة سياسية وضغوط ميدانية
في المقابل، لم يمر هذا المقترح دون تساؤلات سياسية عميقة من الجانب اللبناني. فقد استفسر رئيس مجلس النواب نبيه بري عن غياب أي ضغوط أمريكية موازية على إسرائيل. وبناءً عليه، طالب بري بخطوات إسرائيلية مقابلة، مثل الانسحاب من النقاط المحتلة أو إطلاق سراح الأسرى. إلا أن الرد الأمريكي جاء حازماً؛ حيث تركز واشنطن حالياً على حماية الجيش من “حملات التشكيك” وضمان فاعليته الميدانية فقط.
اختبار “يانوح” كنموذج للحل
ومن الجدير بالذكر أن بلدة “يانوح” الجنوبية شهدت مؤخراً أول تطبيق عملي لهذا المقترح. فعندما هدد العدو بقصف منزل بدعوى وجود مخازن سلاح، تدخل الجيش فوراً. وقام الجيش، تحت إشراف لجنة “الميكانيزم”، بعمليات حفر وتفتيش واسعة النطاق. ونتيجة لهذه الخطوة، ثبت خلو المنزل من أي عتاد عسكري، مما أدى في النهاية إلى تراجع الاحتلال عن قرار القصف. وبناءً على هذه التجربة، يرى الأمريكيون فرصة ذهبية لفرض هذا النمط من التفتيش في مناطق كانت تعتبر سابقاً “محرمة” على المداهمات.
تحديات السيادة والبيئة الحاضنة
ولكن بالرغم من هذه التطمينات، تسود حالة من الحذر في الأوساط اللبنانية. فثمة مخاوف جدية من أن تؤدي هذه الآلية إلى صدام مباشر بين الجيش والأهالي. وعلاوة على ذلك، يرى مراقبون أن الدولة اللبنانية تتقاعس عن دورها في إعادة الإعمار، مما يجعل تفتيش المنازل عبئاً ثقيلاً على كاهل المواطنين. وفي الختام، يبقى السؤال قائماً: هل ينجح الجيش في الموازنة بين شروط الدعم الدولي وحفظ الاستقرار الداخلي، أم أن “آلية التحقق” ستتحول إلى فخ سياسي وأمني جديد؟

