أرض الصومال أزمة سياسية جديدة، حيث شهدت الخريطة الجيوسياسية لمنطقة القرن الأفريقي تحولاً تاريخياً ومفاجئاً في أواخر ديسمبر 2025. استقرت منطقة أرض الصومال (Somaliland) عند مستويات قياسية من الاهتمام العالمي. جاء ذلك عقب القرار الجريء الذي اتخذه رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بالاعتراف رسمياً باستقلال الإقليم يوم الجمعة 26 ديسمبر 2025. هذا التحرك الدبلوماسي لم يكن مجرد إجراء بروتوكولي، بل كان زلزالاً سياسياً أعاد تشكيل موازين القوى في أحد أهم الممرات المائية في العالم.
الاعتراف الإسرائيلي: الذهب الدبلوماسي والمصالح الاستراتيجية
سجلت الساحة الدبلوماسية قفزة غير مسبوقة عندما وقع نتنياهو ووزير خارجيته جدعون ساعر إعلاناً مشتركاً مع رئيس أرض الصومال المنتخب، الدكتور عبد الرحمن محمد عبد الله “إيرو”. وصفت تل أبيب هذه الخطوة بأنها تأتي “بروح اتفاقيات أبراهام”. تهدف إسرائيل من هذا التحالف إلى تأمين موطئ قدم استراتيجي بالقرب من مضيق باب المندب، لمواجهة تهديدات الحوثيين وتأمين الملاحة في البحر الأحمر.
يعتبر هذا الاعتراف بمثابة “الذهب السياسي” الذي طالما بحثت عنه هرغيسا منذ إعلان انفصالها من جانب واحد في عام 1991. ومع ذلك، واجهت هذه الطموحات جداراً صلباً من الرفض في واشنطن. أكد الرئيس دونالد ترامب، في تصريحات لصحيفة “واشنطن بوست”، أنه لا ينوي حالياً السير على خطى حليفه الإسرائيلي، مشدداً على أن أولويته القصوى تظل إنهاء النزاعات في غزة وأوكرانيا.
تباين المواقف بين واشنطن وتل أبيب
رصدت التقارير الصادرة عن دوائر صنع القرار في “ويست بالم بيتش” حالة من الترقب الشديد. رفض ترامب بشكل قاطع فكرة الاعتراف الفوري بسيادة الإقليم، متسائلاً بلهجة حذرة عن تداعيات ذلك على وحدة الصومال. يخشى البيت الأبيض أن يؤدي هذا التحرك إلى انفجار الأوضاع في مقديشو، التي اعتبرت الخطوة الإسرائيلية “عدواناً سافراً” وانتهاكاً لسيادتها.
في المقابل، سجل المحللون تراجعاً في احتمالات الدعم الأمريكي المباشر لمشروع القاعدة العسكرية في ميناء بربرة بالوقت الحالي. هذا التباين بين واشنطن وتل أبيب يفتح خيارات استراتيجية متعددة أمام القوى الإقليمية مثل تركيا ومصر، اللتين سارعتا لإدانة الخطوة الإسرائيلية. ونتيجة لذلك، يتابع العالم تحركات الأسطول الأمريكي في المنطقة لحظة بلحظة لضمان عدم خروج الأمور عن السيطرة.
التحليل الاستراتيجي: “علاوة المخاطرة الجيوسياسية”
يرى خبراء معهد دراسات الأمن القومي (INSS) أن القفزة الدبلوماسية لهرغيسا تعكس رغبة إسرائيل في بناء “تحالفات بحرية” جديدة. ومع ذلك، فإن السوق السياسي لا يتحرك بالعواطف فقط، بل يتأثر بما يسمى علاوة المخاطرة الجيوسياسية.
يضع ترامب في حساباته استقرار الحلفاء التقليديين في المنطقة مثل السعودية ومصر. خلق نقص الإجماع الدولي (خاصة من الاتحاد الأفريقي والأمم المتحدة) حالة من الحذر في واشنطن. وبالتالي، فإن السعر السياسي للاعتراف انفصل عن الرغبات الإسرائيلية المنفردة. هذا الانفصال يفسر حجم الإقبال الكبير من إسرائيل على الشراء الدبلوماسي في هذا التوقيت، بينما تفضل واشنطن التريث لمراقبة حركات التصحيح السياسي في المنطقة.
أسباب الانفجار السياسي في السوق الأفريقي
يرى المحللون أن هذا الصعود في حدة التصريحات تحركه آليات واضحة:
-
حمى الاستثمار: السباق للسيطرة على المواقع اللوجستية في ميناء بربرة.
-
تأمين الممرات: تزايد الحاجة لقواعد مراقبة بعد التوترات البحرية المستمرة منذ 2023.
-
الشرعية الواقعية: نجاح أرض الصومال في السيطرة على أجوائها وإصدار تأشيرات مستقلة في نوفمبر 2025.
-
تغيير الأولويات: رغبة إسرائيل في نقل ثقلها الاستراتيجي نحو القرن الأفريقي لتطويق النفوذ الإيراني.
التوقعات المستقبلية وموقف ترامب في 2026
تشير القراءات الفنية للسياسة الأمريكية لاستمرار الاتجاه الحذر تجاه قضايا الانفصال حتى منتصف عام 2026. تواصل القوى الإقليمية زيادة ضغوطها على واشنطن لرفض أي تقسيم للصومال. وبالرغم من هذا، قد تحدث حركات تصحيح في الموقف الأمريكي إذا تم تقديم عروض مغرية تتعلق بمكافحة الإرهاب أو توفير بدائل لموانئ المنطقة.
تعد هذه الانخفاضات في حدة الرفض فرصة ذهبية لهرغيسا لإعادة ترتيب أوراقها. نقص البدائل اللوجستية يدعم استمرار الاهتمام الدولي بميناء بربرة كشريان حياة للتجارة العالمية. وفي النهاية، يظل الهدوء هو الأمان الوحيد لتجنب الانهيارات المفاجئة في استقرار القرن الأفريقي.
الخلاصة: يبقى الذهب الاستراتيجي للإقليم هو المحرك الأول للسياسة. استقرار أرض الصومال في وجه العواصف يؤكد قوتها الكامنة. الحكمة الدبلوماسية تقتضي التعامل مع الأمم المتحدة كمرجعية أساسية، مع استثمار الاعتراف الإسرائيلي كأداة ضغط لتحقيق السيادة المستدامة.

