الأزمة الدبلوماسية بين إسبانيا وإسرائيل دخلت نفقاً مظلماً بعد قرار مدريد المفاجئ بسحب سفيرتها من تل أبيب بشكل رسمي.
أعلنت الحكومة الإسبانية سحب السفيرة آنا ماريا سالومون في خطوة وصفتها الأوساط السياسية بأنها تصعيد غير مسبوق.
جاء هذا القرار في توقيت حساس يشهد خلافاً متصاعداً بين رئيس الوزراء الإسباني بيدرو سانشيز والرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
بناءً على ذلك، رفضت مدريد طلباً أمريكياً للسماح باستخدام القواعد العسكرية الإسبانية لشن هجمات جوية على إيران.
علاوة على ذلك، تعكس هذه الخطوة حجم الشرخ العميق في العلاقات السياسية بين القوى الغربية تجاه ملفات الشرق الأوسط.
ثلاثة دوافع رئيسية خلف قرار سحب السفيرة
وفقاً لتقارير صحيفة “20 مينوتوس”، فإن الموقف الإسباني من الحرب في غزة يتصدر قائمة أسباب هذا التوتر الحاد.
ومن هذا المنطلق، وجهت حكومة سانشيز انتقادات لاذعة ومتكررة للعمليات العسكرية الإسرائيلية داخل القطاع المحاصر.
إضافة إلى ذلك، طالبت مدريد بضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار وضمان حماية المدنيين وفتح ممرات إنسانية آمنة.
بيد أن هذه المواقف أثارت غضباً عارماً في إسرائيل، حيث اعتبرتها تل أبيب تدخلاً سافراً في شؤونها الأمنية الداخلية.
ونتيجة لهذا التراكم، بدأت القنوات الدبلوماسية بين البلدين في التآكل بشكل تدريجي ومقلق للجانبين.
الاعتراف بدولة فلسطين والمواجهة مع إدارة ترامب
أما العامل الثاني الذي عمق الأزمة، فيتمثل في قرار إسبانيا التاريخي بالاعتراف رسمياً بدولة فلسطين المستقلة.
واعتبرت مدريد أن هذه الخطوة ضرورية لدعم حل الدولتين وإحياء مسار السلام المتعثر في منطقة الشرق الأوسط.
وعلى الرغم من ذلك، قوبل القرار برفض إسرائيلي مطلق، ووصفته تل أبيب بأنه إجراء “أحادي الجانب” يضر بالأمن.
وفي سياق متصل، أدى رفض إسبانيا التعاون العسكري مع واشنطن ضد إيران إلى زيادة حدة الضغوط الدبلوماسية عليها.
بناءً عليه، يرى مراقبون أن مدريد تحاول رسم سياسة خارجية مستقلة بعيداً عن ضغوط البيت الأبيض في حقبة ترامب.
التصعيد الإقليمي والمخاوف من اندلاع حرب شاملة
ويتعلق العامل الثالث بالتطورات الميدانية المتسارعة والمواجهة المباشرة والمتزايدة بين إسرائيل والجمهورية الإسلامية الإيرانية.
إذ تدعو إسبانيا باستمرار إلى التهدئة وتجنب توسيع رقعة الصراع لتشمل أطرافاً إقليمية أو دولية أخرى في المنطقة.
وحذرت الحكومة الإسبانية من أن استمرار التصعيد سيؤدي حتماً إلى زعزعة الاستقرار ويؤثر بشكل مباشر على الأمن الأوروبي.
ومن جهة أخرى، يرى محللون أن سحب السفير يعد أقوى أداة للاحتجاج الدبلوماسي قبل قطع العلاقات بشكل كامل ونهائي.
ومع ذلك، لا تزال القنوات الدبلوماسية الدنيا مفتوحة عبر القائم بالأعمال لتسيير الشؤون العاجلة بين العاصمتين.
تحليل “غربة نيوز“: تمرد إسبانيا وأبعاد الصدام مع واشنطن وتل أبيب
يقدم موقع “غربة نيوز” تحليلاً استراتيجياً لهذا التحول، مؤكداً أن مدريد تقود “تمرداً ناعماً” داخل المنظومة الغربية.
أولاً: سيادة القواعد العسكرية ترى “غربة نيوز” أن رفض سانشيز منح ترامب الضوء الأخضر لضرب إيران من الأراضي الإسبانية هو رسالة سيادية قوية. فبناءً على هذا الموقف، تؤكد إسبانيا أنها لن تكون شريكة في حرب إقليمية قد تنعكس آثارها المدمرة على موانئ البحر المتوسط.
ثانياً: التكلفة السياسية للاعتراف بفلسطين يشير تحليلنا إلى أن إسبانيا تدفع ثمن ريادتها الأوروبية في الملف الفلسطيني، مما جعلها في مواجهة مباشرة مع اللوبي الداعم لإسرائيل. إذ إن مدريد تراهن على كسب تأييد دول “الجنوب العالمي” والكتل العربية، حتى لو كلفها ذلك صداماً مؤقتاً مع واشنطن.
ثالثاً: مأزق العلاقات مع إدارة ترامب تعتبر “غربة نيوز” أن الخلاف بين سانشيز وترامب ليس شخصياً فحسب، بل هو صدام بين تيار “العولمة الإنسانية” وتيار “الحسم العسكري”. بسبب ذلك، قد تواجه إسبانيا ضغوطاً اقتصادية أو عقوبات غير معلنة من الإدارة الأمريكية رداً على موقفها من القواعد العسكرية.
رابعاً: مستقبل التواجد الإسباني في الشرق الأوسط أخيراً، يؤكد التحليل أن سحب السفيرة هو “مناورة لامتصاص الغضب الشعبي” الإسباني تجاه أحداث غزة، مع الإبقاء على شعرة معاوية. وهكذا، تظل مدريد في وضع ترقب، بانتظار ما ستسفر عنه الأسابيع القادمة من مواجهات عسكرية في الخليج أو في الأراضي الفلسطينية.
خاتمة وآفاق مستقبلية
في الختام، يبقى مستقبل العلاقات بين مدريد وتل أبيب رهيناً بمدى قدرة الطرفين على احتواء الخلافات السياسية العميقة.
وعلاوة على ذلك، ستلعب التطورات الميدانية في غزة والشرق الأوسط دوراً حاسماً في تحديد موعد عودة السفيرة آنا ماريا سالومون.
وبناءً عليه، يترقب المجتمع الدولي مدى تأثير هذا الشرخ الدبلوماسي على تماسك الموقف الأوروبي تجاه التصعيد مع إيران.
إذ إن كل قرار تتخذه مدريد الآن، سيكون له صدى واسع في دهاليز البيت الأبيض ومكاتب صنع القرار في إسرائيل.


