شهدت الساحة اليمنية تطورا عسكريا وسياسيا هو الاكثر خطورة منذ عقد كامل، حيث فجرت المقاتلات السعودية مفاجأة مدوية بقصف شحنة اسلحة اماراتية في المكلا، وبناء على هذا الحدث، اعلنت وزارة الخارجية السعودية ان امن المملكة القومي يمثل خطا احمر، وعلاوة على ذلك، منحت الرياض مهلة اخيرة لابوظبي لسحب قواتها خلال يوم واحد، ومن ثم، بدأت ملامح صدام مباشر تلوح في افق محافظتي حضرموت والمهرة، ونتيجة لهذا التوتر، يترقب المجتمع الدولي مصير التحالف العربي الذي تشكل في عام 2015، من هنا يرصد موقع غربة نيوز الأحداث الحالية
تفاصيل الضربة الجوية ودلالات التوقيت
اولا، استهدفت الغارات الجوية منظومات دفاع جوي وعربات قتالية متطورة جدا، ووفقا لمصادر ميدانية، افرغت السفن القادمة من الفجيرة هذه المعدات دون تنسيق مسبق، ولذلك، اعتبرت قيادة القوات المشتركة هذا التصرف خرقا صريحا لبروتوكولات العمل العسكري، وبالتوازي مع ذلك، تحركت الطائرات بطلب مباشر من الرئيس رشاد العليمي لحماية السيادة، ومن هنا، نفهم ان السعودية قررت منع وجود اي سلاح ثقيل خارج سيطرتها، وبالإضافة الى ذلك، دمر القصف مخازن السلاح في ميناء المكلا لضمان عدم وصولها للمليشيات، وفي غضون ذلك، اعلنت الحكومة اليمنية حالة الطوارئ لضبط الامن في المحافظات الشرقية.
جذور الازمة اليمنية وصراع الاجندات
وبالعودة الى التاريخ، انطلقت الشرارة الاولى للازمة في عام 2011 ضد نظام صالح، ومن ثم، قادت المبادرة الخليجية عملية انتقال السلطة الى الرئيس عبدربه منصور هادي، ولكن، انقلب الحوثيون على التوافق الوطني واجتاحوا العاصمة صنعاء في اواخر 2014، وبناء عليه، تدخل التحالف العربي في مارس 2015 لاستعادة الشرعية والامن، ومع مرور الوقت، ظهرت تباينات واضحة في الاهداف الاستراتيجية بين الرياض وابوظبي، ومن ناحية اخرى، دعمت الامارات المجلس الانتقالي الجنوبي لتشكيل وحدات عسكرية موازية للدولة، ولهذا السبب، تعطلت جهود الحسم العسكري ضد الحوثيين بسبب النزاعات البينية في المعسكر الواحد.
حضرموت والمهرة.. معركة السيطرة على الثروة
وعلى صعيد اخر، تمثل حضرموت والمهرة خزان الثروة والقرار في الدولة اليمنية المعاصرة، وبما ان حضرموت تضم حقول المسيلة النفطية، فانها تمثل الشريان الوحيد لاقتصاد البلاد حاليا، وبالإضافة الى ذلك، تمتلك المهرة موقعا استراتيجيا يطل على المحيط الهندي وبحر العرب، ولهذا السبب، تسعى القوى الاقليمية لتثبيت نفوذها في هذه المنافذ البحرية والبرية الحيوية، وبالتوازي مع هذا، يحرص التحالف بقيادة السعودية على تامين هذه المناطق من التهريب، ومن ثم، ترفض الرياض تحويل موانئ الشرق الى ممرات للسلاح غير القانوني، وفي السياق نفسه، تخشى المملكة من وصول الصراع المسلح الى حدودها الجنوبية المباشرة.
اتفاق الرياض ومجلس القيادة.. محاولات فاشلة للترميم
ومن زاوية ثانية، وقعت الاطراف اليمنية اتفاق الرياض في عام 2019 لتوحيد الصفوف، ووفقا للاتفاق، كان يجب دمج كافة القوات تحت مظلة وزارتي الدفاع والداخلية، ولكن، استمرت المماطلة في تنفيذ الشق العسكري والامني من الاتفاق لسنوات طويلة، ونتيجة لهذا الفشل، تشكل مجلس القيادة الرئاسي في عام 2022 كمحاولة اخيرة للجمع، ومع ذلك، ظلت القوات التابعة للانتقالي تعمل بشكل مستقل عن اوامر الرئاسة اليمنية، وبناء عليه، قررت السعودية اخيرا التدخل بحزم لانهاء هذه الازدواجية العسكرية الخطيرة، ومن هنا، جاء قرار العليمي بالغاء اتفاقية الدفاع المشترك مع دولة الامارات.
الابعاد الجيوسياسية وطريق اللبان القديم
وبالنظر الى التاريخ القديم، سيطرت السلطنات في حضرموت والمهرة على تجارة اللبان العالمية، ومن ثم، حافظت هذه الموانئ على اهميتها كجسر يربط بين اسيا وافريقيا واوروبا، واليوم، يتجدد هذا التنافس للسيطرة على طرق التجارة وممرات الطاقة في بحر العرب، وبالتوازي مع ذلك، يبرز مشروع انبوب النفط السعودي المقترح عبر المهرة كهدف استراتيجي للرياض، ولهذا السبب، تعتبر المملكة اي فوضى في هذه المحافظات تهديدا مباشرا لمصالحها الحيوية، وعلاوة على ذلك، تراقب القوى الكبرى مثل واشنطن ولندن هذا الصراع بقلق بالغ، ومن ناحية اخرى، يخشى الجميع من استغلال الجماعات الارهابية لهذا الانقسام الكبير.
قوات درع الوطن.. الاداة السعودية الجديدة
وفي خضم هذا الصراع، انشأت السعودية قوات درع الوطن كقوة ضاربة تابعة للرئاسة، ومن ثم، انتشرت هذه القوات في مواقع استراتيجية داخل حضرموت ومنطقة العبر، ونتيجة لهذا الانتشار، شعرت القوات المدعومة اماراتيا بتهديد لنفوذها التقليدي في مناطق الساحل، وبالتوازي مع هذا، يهدف القرار السعودي الى تمكين هذه القوات من حماية المنشات النفطية والموانئ، ومن هنا، نفهم ان الضربة الجوية في المكلا كانت رسالة دعم لهذه القوات، ونتيجة لذلك، اصبح الصدام بين “درع الوطن” و”النخبة الحضرمية” احتمالا واردا جدا، ولهذا السبب، دعت الخارجية السعودية الى تغليب لغة العقل وحسن الجوار.
مستقبل التحالف وسيناريوهات المهلة الاخيرة
وختاما، وضعت المهلة السعودية البالغة 24 ساعة مستقبل التحالف العربي على المحك، وبناء عليه، ينتظر الشارع اليمني والاقليمي رد فعل ابوظبي على مطالب الانسحاب، ومن جهة اخرى، تصر الرياض على وقف كافة اشكال الدعم المالي والعسكري خارج الدولة، وفي حال رفضت الامارات هذه المطالب، فان المنطقة قد تنزلق نحو مواجهة شاملة، ومع ذلك، تظل السعودية متمسكة بحل القضية الجنوبية عبر طاولة الحوار السياسي، وفي نهاية المطاف، سحدد الساعات القادمة شكل الخريطة السياسية والعسكرية في شبه الجزيرة العربية، ومن ثم، يظل الحفاظ على سيادة اليمن هو الضمان الوحيد للامن القومي العربي.
المسوغات القانونية للتحرك السعودي في اليمن
أولا، استندت الرياض الى قرار مجلس الامن الدولي رقم 2216 لعام 2015، حيث يمنع هذا القرار توريد الاسلحة الى المكونات الخارجة عن سلطة الدولة، ومن ثم، تعتبر شحنة ميناء المكلا انتهاكا صارخا للقرارات الاممية الملزمة، وبناء عليه، تملك قوات التحالف الشرعية القانونية لمنع وصول السلاح غير المرخص.
ثانيا، استجابت المملكة لطلب رسمي من رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، وبما ان رشاد العليمي يمثل السلطة الشرعية المعترف بها دوليا، فان طلبه يمنح التحالف غطاء قانونيا كاملا للتدخل العسكري، ولهذا السبب، تندرج الضربة الجوية تحت بند حماية السيادة الوطنية من التدخلات الخارجية.
ثالثا، استند البيان الى المادة 51 من ميثاق الامم المتحدة بشأن الدفاع عن النفس، وحيث ان التحركات العسكرية تمت قرب الحدود الجنوبية للمملكة، فان السعودية اعتبرت ذلك تهديدا مباشرا لامنها القومي، ونتيجة لهذا، يحق للدولة اتخاذ كافة التدابير الوقائية لمنع وقوع أي اعتداء.
رابعا، تضمن الانذار السعودي مخالفة اتفاقية الدفاع المشترك الموقعة داخل التحالف، وبالتوازي مع ذلك، خرقت التحركات العسكرية الاخيرة بنود اتفاق الرياض لعام 2019، وبما ان الاتفاق يلزم كافة الاطراف بدمج القوات تحت سلطة الحكومة، فان بقاء وحدات مستقلة يعتبر تمردا على المواثيق الموقعة،
خامسا، استندت الخارجية السعودية الى مبادئ القانون الدولي الانساني وقواعد الاشتباك، ومن ثم، وثقت القوات الجوية عملية انزال السلاح قبل تدميرها لضمان الدقة، ولهذا السبب، اكد البيان خلو العملية العسكرية من أي اضرار جانبية بالمدنيين، وفي نهاية المطاف، تهدف هذه الاجراءات الى فرض سلطة القانون الدولي.

