لم تكن المظاهرات الحاشدة التي اجتاحت شوارع العاصمة الصومالية مقديشو ومدن بيدوا وحدر وعدادو وغورعيل اليوم الثلاثاء مجرد حراك شعبي عابر، بل هي “مانيفستو” وطني يعيد رسم الخطوط الحمراء في بلد أنهكته الحروب لكنه لم يفرط في كبريائه السيادي. إن خروج الآلاف حاملين العلم الأزرق ذو النجمة الواحدة، ومنددين بالتدخلات الإسرائيلية والإقليمية، يضع المجتمع الدولي أمام حقيقة مفادها أن الصومال، رغم تحدياته الهيكلية، يرفض أن يكون ساحة لتجربة مشاريع التقسيم أو “المقايضات الجيوسياسية”.
أولاً: تفاصيل المشهد الميداني (اليوم الثلاثاء)
شهدت جمهورية الصومال الفيدرالية حالة من الغليان الشعبي، حيث نقلت وسائل الإعلام الصومالية، صوراً لآلاف المتظاهرين الذين احتشدوا في الميادين العامة. تركز الزخم الأكبر في محافظة بنادر (مقديشو)، وتحديداً في ساحات المعالم الوطنية، بينما شهدت ولاية جنوب الغرب مسيرات ضخمة في مدينة بيدوا الاستراتيجية ومدينة حدر بأطراف إقليم بكول. وفي وسط البلاد، انتفضت مدن عدادو وغورعيل التابعتين لولاية غلمدغ.
رفع المتظاهرون شعارات حازمة تندد بأي محاولة للاعتراف بفصل الأقاليم الشمالية، وأكدوا في بياناتهم الميدانية أن الصومال دولة واحدة ذات حدود معترف بها دولياً بموجب المواثيق الأممية، مشددين على أن استقلال البلاد ووحدة أراضيها “خط أحمر” لا يقبل التفاوض.
ثانياً: السياق التاريخي.. جذور صراع البقاء والوحدة
لفهم أبعاد هذا الغضب، لا بد من العودة إلى الجذور التاريخية للأزمة الصومالية. فمنذ استقلال البلاد عام 1960، قام “المشروع الوطني” على وحدة الأقاليم الصومالية. ومع انهيار الدولة المركزية في عام 1991، دخلت البلاد في نفق مظلم من الصراعات الأهلية، مما أتاح الفرصة لإقليم “صوماليلاند” في الشمال لإعلان انفصال أحادي الجانب، وهو الانفصال الذي ظل يفتقر للشرعية الدولية على مدار ثلاثة عقود.
إلا أن التحولات الأخيرة في القرن الأفريقي أعادت إحياء مخاوف التفتيت، لا سيما بعد توقيع إثيوبيا “مذكرة تفاهم” مع إدارة أرض الصومال للحصول على منفذ بحري وقاعدة عسكرية، وهو ما اعتبرته مقديشو “عدواناً صارخاً”. هذه الخلفية التاريخية جعلت المواطن الصومالي في حالة استنفار دائم ضد أي تدخل خارجي يُنظر إليه كأداة لشرعنة التقسيم.
ثالثاً: “الورقة الإسرائيلية” وديناميكيات الصراع الجديد
يبرز التنديد بـ “التدخل الإسرائيلي” في مظاهرات اليوم كمتغير لافت يحمل دلالات استراتيجية عميقة:
-
التوجس من التحالفات السرية: تشير التقارير إلى مخاوف صومالية من وجود مساعٍ لبناء قنوات اتصال بين تل أبيب وكيانات انفصالية، تهدف لتأمين نفوذ في منطقة باب المندب مقابل دعم الأجندات التقسيمية.
-
البعد الهوياتي: يرى الشعب الصومالي أن التدخل الإسرائيلي يهدف لعزل الصومال عن عمقه العربي والإسلامي وإضعاف موقفه المساند للقضية الفلسطينية.
-
تلاقي المصالح: يربط المحللون بين التحركات الإسرائيلية والأطماع الإقليمية الأخرى، معتبرين إياها محاولة لإعادة هيكلة النفوذ في القرن الأفريقي على حساب الدولة الفيدرالية.
رابعاً: آراء سياسية وتحليلات معمقة (الرؤية الحرفية)
في رصد لاستشرافات الخبراء، يمكن بلورة المشهد عبر زوايا تحليلية استثنائية:
-
المنظور الجيوسياسي (صراع الممرات المائية): يرى الدكتور أحمد إدريس، الباحث في شؤون القرن الأفريقي، أن استهداف الصومال ليس نزاعاً حدودياً بل هو صراع على “السيادة البحرية”.

