سيكولوجية الشارع المصري أثناء مباراة المنتخب، بينما تتجه الأنظار إلى المستطيل الأخضر، وتتعلق القلوب بأقدام 11 لاعباً، تمر مصر بحالة “تنويم مغناطيسي” جماعي. في هذه الـ 90 دقيقة، تولد دولة أخرى داخل الدولة، وتتغير قوانين الفيزياء والاجتماع والاقتصاد. نحن هنا لا نتحدث عن المباراة، بل نتحدث عنكم أنتم؛ عن الشوارع التي تصبح ملكاً للقطط الضالة، عن البيوت التي تفوح منها رائحة التوتر، وعن “أبطال الظل” الذين يديرون الحياة بينما العالم يتفرج.
1. جغرافيا الشوارع: خريطة جوجل التي “اخضرت” فجأة
في أي يوم عادي، تظهر خرائط القاهرة باللون الأحمر القاني، دليلًا على الزحام الخانق. لكن بمجرد إطلاق صافرة البداية، يحدث السحر. تتحول الخريطة إلى اللون الأخضر في “معجزة مرورية” لا تتكرر إلا في الأعياد القومية.
في هذا الجزء، نرصد “صحافة الرصيف”:
-
سائق التاكسي: الذي يقرر التوقف بجانب أي مقهى، تاركاً بابه مفتوحاً ليسمع صوت المعلق، ليس لأنه لا يريد العمل، بل لأن “الرزق يحب اللمة” في هذه اللحظة.
-
عامل الدليفري: البطل الذي يسابق الصافرة. يقول أحدهم: “أصعب أوردر هو الذي يخرج قبل الماتش بـ 10 دقائق، أكون كمن يحمل قنبلة موقوتة، أريد الوصول قبل أن يغلق الزبون بابه وينسى العالم”.
2. اقتصاد “النفس الطويل”: بورصة القهوة والشاي
هل فكرت يوماً في حجم الاستهلاك المصري خلال مباراة المنتخب؟ تتحول المقاهي إلى “خلايا نحل” منظمة. في دراسة غير رسمية لسلوك المستهلك المصري وقت المباريات، نجد أن:
-
معدل استهلاك الشاي والقهوة: يرتفع بنسبة 300% في الساعتين السابقتين للمباراة.
-
سوق “التسالي”: (اللب والسوداني) يزدهر ليصبح السلعة الاستراتيجية الأولى.
-
الكهرباء والإنترنت: بينما تتوقف المصانع، تنفجر عدادات المنازل والإنترنت المنزلي، حيث تتحول شبكات التواصل الاجتماعي إلى “استوديو تحليلي” يضم 100 مليون محلل فني.
3. سيكولوجية “الموسوسين”: خرافات خلف الشاشات
هنا تكمن عبقرية الروح المصرية. لكل بيت “طقوس فرعونية” لجلب الفوز، وهي مادة صحفية دسمة:
-
الكرسي المسحور: ذاك المشجع الذي يعتقد أن فريقه سيهزم إذا قام من مكانه أو غير “وضعية الجلوس”.
-
النذير المشؤوم: الشخص الذي يُطرد من الغرفة لأنه “قدمه نحس” أو لأن الفريق استقبل هدفاً بمجرد دخوله.
-
قميص الانتصارات: ذاك القميص المهترئ الذي لم يُغسل منذ أمم أفريقيا 2006، لأن صاحبه يؤمن أنه يحمل “سر البركة”.
قصة من الواقع: مشجع يرفض مشاهدة المباراة ويجلس في الشرفة يراقب ردود فعل الجيران، مؤمناً أن “مراقبته للمباراة هي التي تخسرنا!”.
4. أبطال الظل: من يحرس مصر والكل يشجع؟
في الوقت الذي تصرخ فيه الجماهير مع كل هجمة، هناك آلاف يعملون في صمت لضمان أن تمر هذه الـ 90 دقيقة بسلام:
-
غرف الطوارئ: أطباء وممرضون يضعون أيديهم على قلوبهم، ليس خوفاً من النتيجة، بل استعداداً لاستقبال حالات “الأزمات القلبية” المرتبطة بالانفعال الشديد.
-
محطات الكهرباء: المهندسون الذين يقفون أمام لوحات التحكم، يراقبون الأحمال، مدركين أن انقطاع التيار لمدة دقيقة واحدة في هذه اللحظة قد يشعل ثورة صغيرة في كل شارع.
-
رجال الأمن: الذين يقفون بظهورهم للملعب، يراقبون الوجوه لا الكرة، في أقصى درجات ضبط النفس المهني.
5. المرأة المصرية: من “إيه التسلل ده؟” إلى “قلب الأسد”
تغيرت الدراما الصحفية؛ لم تعد المرأة بعيدة عن المشهد. في البيوت المصرية، تحولت “الأم” إلى المنسق العام للدعوات.
-
دعوات الأمهات: هي السلاح السري الذي يؤمن به المصريون أكثر من خطة المدرب.
-
المشجعة “الديجيتال”: الفتيات اللواتي يقلبن موازين “التريند” بصور المشجعين والتعليقات الساخرة التي تخفف من حدة التوتر.
سيكولوجية الشارع المصري أثناء مباراة المنتخب، و ما بعد الصافرة: انفجار المشاعر
سواء كانت النتيجة فوزاً أو خسارة، فإن اللحظة التي تلي الصافرة هي “تفريغ شحنة” قومي:
-
في حالة الفوز: يتحول الصمت إلى ضجيج احتفالي، تنزل السيارات إلى الشوارع في “كرنفال عشوائي” ومنظم في آن واحد، وتصبح “الكلاكسات” هي اللغة الرسمية للدولة.
-
في حالة الخسارة: يحل صمت حزين، ينام الجميع مبكراً كأنهم يهربون من الواقع، وتبدأ محاكمات التفتيش الرقمية للمدرب واللاعبين.
سيكولوجية الشارع المصري أثناء مباراة المنتخب، لماذا نحن هكذا؟
إن انتظار مباراة مصر ليس مجرد انتظار لحدث رياضي، إنه بحث عن “انتصار معنوي” في زحام الحياة. هي اللحظة الوحيدة التي يتفق فيها الغني والفقير، المعارض والمؤيد، على أمل واحد. نحن شعب يعشق كرة القدم لأنها “العدالة الوحيدة” المتبقية؛ حيث يمكن للمجتهد أن يفوز بغض النظر عن أي شيء آخر.
عزيزي القارئ، بينما تقرأ هذه الكلمات واللاعبون يسخنون في الملعب، تذكر أنك جزء من “ملحمة اجتماعية” كبرى، وأنك بانتظارك هذا، تكتب فصلاً في كتاب الشخصية المصرية.

