نفذت قوات التحالف العربي بقيادة السعودية ضربة جوية دقيقة في ميناء المكلا صباح اليوم، واستهدفت العملية معدات عسكرية وأسلحة ثقيلة أفرغتها سفن غير قانونية، وجاء التحرك العسكري استجابة لطلب مباشر من رئيس مجلس القيادة الرئاسي اليمني، ويهدف التدخل إلى حماية المدنيين في محافظتي حضرموت والمهرة من التصعيد العسكري، كما تسعى الدولة عبر هذه الضربة إلى فرض سيادتها الكاملة على كافة المنافذ،
خلفية الأزمة السياسية في اليمن
بدأت الأزمة اليمنية المعاصرة مع اندلاع ثورة الشباب في عام 2011 ضد نظام الرئيس الراحل علي عبدالله صالح، وقادت المبادرة الخليجية عملية انتقال السلطة إلى الرئيس السابق عبدربه منصور هادي، لكن جماعة الحوثي انقلبت على السلطة الشرعية واجتاحت العاصمة صنعاء في سبتمبر 2014، وأدى هذا الانقلاب إلى تدخل التحالف العربي في مارس 2015 لاستعادة الشرعية، وعانى اليمن منذ ذلك الحين من تشتت السلطة وتعدد القوى العسكرية والمشاريع السياسية المتصارعة،
انقسمت المناطق المحررة بين سلطة الحكومة الشرعية والمجلس الانتقالي الجنوبي والمكونات المحلية الأخرى، وشهدت السنوات الماضية جولات من الصراع المسلح داخل المعسكر المناهض للحوثيين في عدن وأبين، ووقع الأطراف اتفاق الرياض في عام 2019 لتوحيد الجهود ضد الانقلاب الحوثي، ثم تشكل مجلس القيادة الرئاسي في عام 2022 ليكون مظلة جامعة لكافة القوى، لكن التنافس على النفوذ في حضرموت والمهرة ظل يهدد تماسك هذا التحالف السياسي الهش،
تفاصيل اختراق السفينتين لسيادة الموانئ
كشف المتحدث باسم التحالف اللواء تركي المالكي تفاصيل خرق السيادة في ميناء المكلا، وأكد دخول سفينتين من ميناء الفجيرة إلى المكلا يومي السبت والأحد الماضيين، وتحركت السفينتان دون الحصول على أي تصاريح رسمية من قيادة القوات المشتركة، وقام طاقم السفينتين بتعطيل أنظمة التتبع الدولية لتمويه عملية الإنزال غير القانونية، وأفرغت السفن كميات كبيرة من الأسلحة لدعم قوات المجلس الانتقالي الجنوبي بالشرق،
تعد هذه الخطوة مخالفة صريحة لجهود فرض التهدئة والوصول إلى حل سلمي، ويمثل شحن السلاح انتهاكا لقرار مجلس الأمن الدولي رقم 2216 الصادر في عام 2015، وأوضح المالكي أن القوات الجوية نفذت عملية محدودة دمرت الأسلحة والعربات القتالية، والتزم التحالف بالقانون الدولي الإنساني لضمان عدم وقوع أي أضرار جانبية بالمدنيين، ويهدف هذا الحزم العسكري إلى منع تحويل الموانئ إلى بؤر لتأجيج الصراعات المحلية المسلحة،
تاريخ موانئ الشرق وطريق اللبان
تمتلك الموانئ اليمنية في حضرموت والمهرة أهمية تاريخية تعود لآلاف السنين، ويعد ميناء المكلا بوابة اليمن الاستراتيجية على المحيط الهندي وشرق القارة الأفريقية، وازدهر الميناء قديما كمركز رئيسي لتجارة اللبان والبهارات والمنسوجات والذهب، وحافظت السلطنة القعيطية في حضرموت على أمن هذا المرفق كشريان اقتصادي عالمي، ويسعى العليمي اليوم إلى استعادة هذا الدور عبر حماية الميناء من الأجندات العسكرية الضيقة،
يمتد التوتر الأمني ليشمل ميناء نشطون الحيوي في محافظة المهرة الحدودية مع عمان، ويربط هذا الميناء اليمن بدول الجوار ويمثل مركزا هاما للتبادل التجاري والسمكي، وتشتهر المهرة بسواحلها الطويلة التي وفرت عبر التاريخ ملاذات آمنة للسفن العالمية، كما تخضع منافذ شحن وصرفيت البرية لرقابة مشددة ضمن إجراءات الطوارئ الجديدة، ويهدف التحالف إلى ضبط هذه المنافذ لمنع عمليات التهريب التي تغذي الفوضى في الشرق،
دلالات التوقيت وقرار حالة الطوارئ
تتزامن الضربة الجوية مع إعلان الرئيس العليمي حالة الطوارئ العامة في البلاد، ويسعى الرئيس من خلال هذه القرارات إلى إنهاء التعدد العسكري في المناطق المحررة، وتستهدف الإجراءات توحيد القرار الأمني تحت قيادة قوات درع الوطن التابعة للرئاسة، ويرى مراقبون أن ضربة المكلا تمثل رسالة قوية لكافة القوى المحلية والإقليمية، وتؤكد الرسالة أن الدولة لن تسمح بمرور أي سلاح دون موافقة الحكومة الشرعية،
يرتبط الاستقرار في حضرموت والمهرة مباشرة بأمن منابع النفط والغاز في المسيلة، ويدرك مجلس القيادة أن السيطرة على الموانئ تعني السيطرة على اقتصاد البلاد المنهك، وتمثل هذه المحافظات الثقل الاقتصادي الذي تعتمد عليه الدولة في صرف الرواتب والخدمات، لذا يمثل تأمينها أولوية قصوى لتجنب الانهيار الكامل في ظل الحرب المستمرة، ويهدف الحظر الجوي والبري والبحري إلى إعادة ترتيب البيت الداخلي بعيدا عن التدخلات الخارجية،
مستقبل التهدئة والسيادة الوطنية
أكد اللواء المالكي استمرار التحالف في خفض التصعيد وفرض التهدئة الشاملة بالشرق، وستمنع قيادة القوات المشتركة وصول أي دعم عسكري غير منسق لأي مكون، ويشمل هذا القرار الصارم كافة الدول والمكونات السياسية دون تمييز أو استثناء، ويهدف هذا الموقف إلى إنجاح جهود المملكة العربية السعودية في تحقيق الاستقرار، وتظل السيادة على الموانئ والمنافذ هي الركيزة الأولى لبناء مؤسسات الدولة القوية،
يضع هذا التطور الميداني اليمن أمام مرحلة جديدة من فرض سيادة القانون، وتتطلع الجماهير في حضرموت والمهرة إلى انتهاء مظاهر التسلح غير القانوني، ويدعم المجتمع الدولي جهود مجلس القيادة الرئاسي في بسط نفوذه على كافة المناطق، وتظل الأيام القادمة اختبارا حقيقيا لقدرة الحكومة على إدارة ملف الموانئ والمنافذ، وسيشكل نجاح هذه الخطوات في الشرق نموذجا لاستعادة الدولة وبناء السلام الدائم في كل اليمن.

