التوازن المائي،عاد ملف سد النهضة الإثيوبي إلى الواجهة من جديد. وجاء ذلك بعد ظهور صور فضائية حديثة كشفت ارتفاع منسوب المياه داخل بحيرة السد. وأظهرت الصور أن البحيرة تحتفظ بكميات كبيرة من المياه قبل موسم الأمطار الرئيسي.
ويأتي هذا التطور في وقت تراقب فيه مصر والسودان الوضع عن كثب. كما يتزامن مع استمرار الخلافات حول قواعد تشغيل السد. لذلك يكتسب الملف أهمية إضافية مع اقتراب موسم الفيضان السنوي.
التوازن المائي،صور فضائية تكشف حجم التخزين الحالي
أظهرت الصور الفضائية الحديثة ارتفاع منسوب المياه داخل بحيرة سد النهضة إلى نحو 625 مترًا فوق سطح البحر. ويعكس هذا المنسوب استمرار احتفاظ البحيرة بمخزون مائي ضخم.
وأكد الدكتور عباس شراقي، أستاذ الموارد المائية بجامعة القاهرة، أن حجم المياه المخزنة حاليًا يقدر بنحو 42 مليار متر مكعب.
وأوضح أن هذه الكمية تمثل نحو 66% من إجمالي حجم التخزين الذي سجلته البحيرة خلال سبتمبر الماضي. ففي ذلك الوقت بلغ المخزون نحو 64 مليار متر مكعب.
وأشار إلى أن هذه الأرقام تعكس استمرار وجود كميات كبيرة من المياه خلف السد. كما تؤكد أن البحيرة ما زالت عند مستويات مرتفعة نسبيًا.
وأضاف أن هذه الكمية تمنح الملف أهمية خاصة. ويزداد هذا الاهتمام مع اقتراب أشهر الأمطار الغزيرة في إثيوبيا.
التوازن المائي،موسم الأمطار بدأ بالفعل
بدأ موسم الأمطار الجديد في إثيوبيا خلال شهر مايو الماضي. ومع بداية الموسم ارتفعت التدفقات المائية القادمة نحو بحيرة السد.
وأوضح شراقي أن متوسط التدفق اليومي بلغ نحو 21 مليون متر مكعب خلال مايو.
كما توقع ارتفاع التدفقات بصورة واضحة خلال يونيو الجاري. وقد تصل إلى نحو 60 مليون متر مكعب يوميًا.
وتعد هذه الزيادة طبيعية في هذا الوقت من العام. إذ تبدأ كميات الأمطار في الارتفاع تدريجيًا.
بعد ذلك تدخل المنطقة مرحلة الذروة المطرية. وتمتد هذه المرحلة عادة من يوليو حتى أكتوبر.
وخلال هذه الفترة تستقبل الهضبة الإثيوبية كميات ضخمة من الأمطار. كما ترتفع إيرادات النيل الأزرق بشكل ملحوظ.
لذلك يتابع الخبراء تطورات الوضع المائي بصورة مستمرة. ويهتمون بشكل خاص بمعدلات التخزين والتصريف.
التوازن المائي،قراءة فنية لمستوى البحيرة
قدمت الصور الحديثة مؤشرات فنية مهمة حول وضع البحيرة الحالي.
وأوضح أستاذ الموارد المائية أن المنسوب الحالي للمياه وصل إلى قاعدة بوابات المفيض العلوي الست.
ويعني ذلك أن المياه أصبحت عند مستوى حساس داخل البحيرة.
كما يعني أن أي عمليات تصريف كبيرة لن تتم عبر المفيض العلوي في الوقت الراهن.
وفي حال رغبت إثيوبيا في تفريغ المياه حاليًا، فإنها ستعتمد على بوابتي التصريف السفليتين.
وتقع هاتان البوابتان عند منسوب 559 مترًا فوق سطح البحر.
وسبق لإثيوبيا استخدامهما خلال المراحل الأولى من عمليات الملء.
ويرى متخصصون أن متابعة المنسوب خلال الأسابيع المقبلة ستكون ضرورية. خاصة مع استمرار زيادة التدفقات القادمة من الأمطار.
التوازن المائي،اكتمال السد لم ينهِ الجدل
أعلنت إثيوبيا في سبتمبر الماضي اكتمال بناء سد النهضة. كما أعلنت بدء تشغيله بكامل طاقته.
واعتبرت الحكومة الإثيوبية المشروع إنجازًا وطنيًا كبيرًا. كما وصفته بأنه خطوة مهمة لدعم التنمية وإنتاج الكهرباء.
في المقابل، رفضت مصر والسودان هذا الإجراء الأحادي.
وأكد البلدان ضرورة التوصل إلى اتفاق قانوني ملزم قبل التشغيل الكامل للسد.
كما شددت القاهرة على أهمية وضع قواعد واضحة للملء والتشغيل.
وترى مصر أن هذه القواعد ضرورية لحماية مصالح جميع الأطراف.
أما السودان، فيركز على أهمية تبادل البيانات المائية بصورة منتظمة.
ويعتبر أن الحصول على المعلومات في الوقت المناسب أمر أساسي لإدارة موارده المائية.
تحديات إدارة البحيرة
تواجه إثيوبيا تحديات كبيرة خلال موسم الفيضان الحالي.
فالبحيرة تحتوي بالفعل على كميات ضخمة من المياه. وفي الوقت نفسه تستقبل تدفقات جديدة مع استمرار الأمطار.
وتشير تقديرات متخصصة إلى أن البحيرة استقرت خلال الفترة الماضية عند مستويات مرتفعة.
وبلغ حجم المياه المخزنة نحو 47 مليار متر مكعب في بعض الفترات.
ومع زيادة الأمطار قد تحتاج إدارة السد إلى اتخاذ قرارات تشغيلية جديدة.
وقد تشمل هذه القرارات زيادة التصريف أو تعديل مستويات التخزين.
لذلك تتابع دول المصب هذه التطورات باهتمام كبير.
كما تراقب أي تغييرات في معدلات تدفق المياه القادمة عبر النيل الأزرق.
السودان الأكثر عرضة للتأثيرات المباشرة
يرى عدد من الخبراء أن السودان يظل الطرف الأكثر تأثرًا بأي تغييرات مفاجئة في تشغيل السد.
ويعود ذلك إلى قربه الجغرافي من موقع السد الإثيوبي.
كما يمتلك السودان عددًا من السدود والمنشآت المائية المهمة على مجرى النيل.
لذلك فإن أي تصريفات مفاجئة قد تنعكس بسرعة على الأراضي السودانية.
وقد تؤثر هذه التصريفات على بعض المناطق الزراعية.
كما قد تؤثر على البنية التحتية القريبة من مجرى النهر.
ولهذا السبب يطالب الخبراء السودانيون بتعزيز التنسيق الفني.
كما يشددون على ضرورة تبادل المعلومات بشكل يومي ومنتظم.
ويرون أن هذه الخطوة تقلل المخاطر المحتملة. كما تساعد على إدارة الموارد المائية بكفاءة أكبر.
مصر تتمسك بحقوقها المائية
من جانبها، تؤكد مصر باستمرار أهمية الحفاظ على حقوقها المائية.
وتعتبر أن نهر النيل يمثل المصدر الرئيسي للمياه العذبة في البلاد.
كما تعتمد عليه في تلبية احتياجات ملايين المواطنين.
ويشمل ذلك الاستخدامات المنزلية والزراعية والصناعية.
لذلك ترفض القاهرة أي إجراءات قد تؤثر على حصتها المائية.
كما تؤكد ضرورة الالتزام بالقانون الدولي في إدارة الأنهار المشتركة.
وخلال السنوات الماضية شاركت مصر في العديد من جولات التفاوض.
وسعت من خلالها إلى الوصول لاتفاق متوازن يحفظ حقوق الجميع.
لكن هذه المفاوضات لم تنجح حتى الآن في إنهاء الخلافات القائمة.
أزمة ممتدة منذ عام 2011
بدأت أزمة سد النهضة عام 2011 مع إعلان إثيوبيا بدء تنفيذ المشروع.
ومنذ ذلك الحين تحول الملف إلى واحدة من أكثر القضايا تعقيدًا في المنطقة.
وتؤكد إثيوبيا حقها في الاستفادة من مواردها الطبيعية.
كما ترى أن السد يمثل مشروعًا تنمويًا ضروريًا لدعم الاقتصاد وتوليد الكهرباء.
في المقابل، تطالب مصر والسودان بضمانات واضحة تحمي مصالحهما المائية.
كما تطالبان بقواعد تشغيل متفق عليها بين جميع الأطراف.
ورغم عقد عشرات الاجتماعات وجولات التفاوض، لم يتحقق اتفاق نهائي حتى الآن.
وبقيت الخلافات المتعلقة بالملء والتشغيل والجفاف قائمة.
اهتمام دولي متجدد
عاد الملف إلى دائرة الاهتمام الدولي خلال العام الحالي.
وجاء ذلك بعد تصريحات الرئيس الأميركي Donald Trump بشأن استعداده للمساهمة في جهود الوساطة.
وأكد ترامب أهمية التوصل إلى حل سلمي للأزمة.
كما حذر من استمرار التوترات في حال بقاء الخلافات دون معالجة.
ودعا جميع الأطراف إلى مواصلة الحوار.
كما شدد على أهمية التوصل إلى اتفاق يحقق مصالح الجميع.
ترقب حذر للمستقبل
تتجه الأنظار الآن نحو الأشهر المقبلة. فهذه الفترة تمثل المرحلة الأهم في الموسم المائي الحالي.
ويتابع الخبراء مستويات التخزين والتصريف بصورة يومية.
كما يراقبون تأثير الأمطار المتزايدة على بحيرة السد.
وفي الوقت نفسه تواصل دول المصب تقييم الموقف أولًا بأول.
ويظل ملف سد النهضة واحدًا من أكثر الملفات حساسية في المنطقة.
كما تبقى نتائج موسم الأمطار الحالي عاملًا مهمًا في تحديد مسار الأزمة خلال المرحلة المقبلة.
ولهذا السبب يترقب الجميع ما ستكشفه الأسابيع القادمة. سواء على مستوى إدارة السد أو على مستوى التحركات السياسية المرتبطة بهذا الملف المعقد.


