التنمر المقنع في السكن الجامعي هو أحد أخطر التحديات النفسية والسلبيات التي قد يواجهها المغتربون في رحلتهم الأكاديمية؛ حيث يلتقي الغرباء تحت سقف واحد بحثاً عن مستقبل علمي واستقرار نفسي، لكن تتكشف أحياناً وجوه خفية لا تُبشر بالخير.
تخيل هذا المشهد المزعج: شاب في مقتبل عمره الجامعي، يفترض أنه يعيش في بيئة سكنية آمنة، فإذا بزميله يشعل ولاعته ويقربها منه تحت غطاء “الهزار الثقيل”، لتصل حدة هذا العبث إلى احتراق شعر يده فعلياً. وحين يثور الشاب غضباً وانفعالاً جراء هذا الاعتداء الصريح، يأتي الرد من الطرف الآخر بكل برود واستخفاف: “أنا لم أقصِد شيئاً.. إنه مجرد مزاح!”.
هذا الموقف الصادم يمثل نموذجاً صارخاً لظاهرة التنمر المقنع في السكن الجامعي، حيث تُرتكب التجاوزات الخطيرة والتعديات الجسدية تحت قناع الضحك، لتبقي الضحية في حيرة قاسية بين كبت غضبها تفادياً للمشاكل، أو مواجهة خطر حقيقي يتسع نطاقه بمرور الأيام. ما حدث ليس مجرد مزحة ثقيلة أو تصرفًا طائشًا عابرًا، بل هو تجاوز خطير للحدود الشخصية واعتداء جسدي مباشر مغلف بقناع المزاح.
أولاً: تحليل الموقف الحقيقي وأسبابه
إن السكوت عن هذا النوع من السلوكيات يترتب عليه نتائج وخيمة؛ ولذلك يجب تفكيك الدوافع والأسباب خلف هذا التصرف:
اختبار الحدود والسيطرة: المرء الذي يمزح بالنار يقيس إلى أي مدى يمكنه السيطرة على الآخرين. هو يبدأ بتصرفات غير مقبولة ليرى رد فعل الطرف الآخر؛ فإن صمت أو ابتسم تفادياً للمشاكل، اعتبر المتنمر ذلك ضوءاً أخضر للتمادي وزيادة جرعة الأذى تدريجياً.
فخ تجنب المشاكل: رد فعل الشاب بالتغاضي يكون غالباً نابعاً من رغبته في الاستقرار والسلام النفسي، وهي استراتيجية مفهومة في بداية الحياة الجامعية، لكنها مع هذا النوع من الشخصيات تفقد فعاليتها، لأن الطرف الآخر لا يرى فيها دبلوماسية، بل يراها ضعفاً يمكن استغلاله.
مؤشر خطر حقيقي: الاستخدام المتعمد للنار كوسيلة لإخافة شخص أو إيذائه حتى لو حرق شعر يده فقط يدل على عدوانية غير مبررة وانعدام تام لحساب عواقب الأمور، مما يهدد أمن وسلامة السكن بالكامل.
ثانياً: عقلية وفلسفة الشاب الذي يهدد بالنار
الشاب الذي يلجأ للترهيب بالنار أو العنف الجسدي تحت غطاء الهزار غالباً ما يحمل تركيبة نفسية وسلوكية معقدة تشمل:
الرغبة في السيطرة والهيمنة: يحاول هذا الشخص تعويض شعور داخلي بالنقص أو الضعف من خلال فرض سيطرته وإثارة الرعب أو الإزعاج لمن حوله، ليشعر بأنه الأقوى والأعلى صوتاً في المكان.
فقر حاد في التعاطف: عقليته تفتقر إلى القدرة على تخيل ألم الآخرين أو مشاعرهم. بالنسبة له، ألم أو خوف زميله ليس شيئاً مُعتبراً، وربما يجد متعة مريضة في رؤية الارتباك أو الخوف في عيون الآخرين.
اللعب على حبل الإنكار المزدوج: هذه النوعية من الشخصيات تمارس الإيذاء وهي جاهزة دائماً للدفاع عن نفسها بجملة شهيرة مثل: “أنت لا تفهم الهزار، أنت حساس زيادة عن اللزوم!”. هذا الأسلوب يجعل الضحية يشك في نفسه ويشعر بالذنب إذا غضب.
النزعة السادية الخفية: التلذذ برؤية شخص آخر يتراجع، أو يشعر بالقلق، أو يحاول حماية نفسه من خطر حقيقي (كالنار)، يعكس ميولاً تسلطية أو عدوانية تحتاج إلى تقويم وتدخل حاسم.
ثالثاً: خطوات عملية لتوجيه الطالب وحماية نفسه
يجب ألا يمر هذا الموقف مرور الكرام، ويفضل توجيه الطالب للقيام بالخطوات التالية بحزم وثبات لردع ممارسات التنمر المقنع في السكن الجامعي:
1. رسم خط أحمر قاطع
يجب تغيير طريقة التعامل مع هذا الشخص فوراً. عندما يتكرر أي تصرف مشابه، يجب التصريح بجدية تامة وبصوت هادئ وحازم ودون عصبية: “هذا النوع من الهزار غير مقبول نهائياً، ولا تقم بذلك معي مرة أخرى أبداً”. الحزم اللفظي يكسر حاجز الجرأة لدى المتنمر.
2. لغة الجسد والنظرة الثابتة
المتنمر يبحث عادة عن شخص ينكمش أو يبتسم بتوتر. إظهار الثقة بالنفس، والوقوف باستقامة، والنظر المباشر في عيني الشخص أثناء التحدث يغير تماماً المعادلة النفسية داخل الغرفة.
3. التوثيق وتنبيه الإدارة
إذا كرر هذا الشخص تصرفاته أو تصاعدت الأمور، يجب توثيق ما يحدث حتى بالاحتفاظ بصورة للحرق البسيط إن وُجد، أو كتابة تواريخ الأحداث، وإبلاغ مشرف السكن الجامعي فوراً. حماية النفس والكرامة أهم بكثير من الخوف من تخريب العلاقة مع زميل السكن.
4. البحث عن بدائل سكنية
إذا استمر الشخص في سلوكياته العدوانية، يجب عدم التردد في طلب تغيير الغرفة أو السكن؛ فالبيئة السكنية غير الآمنة تؤثر سلباً بشكل مباشر على التحصيل الدراسي والصحة النفسية.
رابعاً: البلاغ المجتمعي وحماية البيئة الطلابية
إن التعامل الأفضل مع هذه العينات لا يقتصر فقط على التوجيه الذاتي، بل يمتد إلى نشر التوعية والتنبيه المحيط. إبلاغ الزملاء المقربين والمحيطين بالواقعة وإخبارهم بحقيقة التصرف يساهم في عزل هذا السلوك العدواني وتوفير مظلة حماية جماعية. الشخص الذي يستهين بحياة زملائه ويستخدم وسائل خطيرة كالنار تحت دعوى المزاح، يظهر سلوكاً عدوانياً خطيراً ينبغي تحجيمه وتعرية إيذاءاته المقنعة فوراً، حمايةً للجميع وضماناً لبيئة تعليمية آمنة.
بقلم: هانم داود










