السينما الإنسانية،في مشهد يجسد قدرة الإنسان على مقاومة آثار الحرب بالإبداع، نجحت شقيقتان فلسطينيتان في إطلاق مشروع ترفيهي يحمل اسم “سينما هوس” فوق سطح أحد المنازل في قطاع غزة. ولم يكن المشروع مجرد دار لعرض أفلام الرسوم المتحركة، بل تحول إلى مساحة تمنح الأطفال والأسر لحظات من الفرح، وتخفف عنهم الضغوط النفسية التي فرضتها الحرب.
وجاءت المبادرة في وقت يعيش فيه قطاع غزة أوضاعًا إنسانية صعبة، بعدما خلفت الحرب دمارًا واسعًا طال المنازل والمرافق العامة والبنية التحتية. ورغم هذه الظروف، أصرت الشقيقتان على تحويل فكرة قديمة إلى واقع يخدم المجتمع، ويمنح الأطفال متنفسًا بعيدًا عن أجواء الخوف والقلق.
السينما الإنسانية،فكرة سبقت الحرب ثم عادت إلى الحياة
بدأت صاحبتا المشروع التخطيط لإنشاء دار سينما للأطفال قبل اندلاع الحرب. ووضعتا تصورًا متكاملًا للمبادرة، يهدف إلى توفير مكان ترفيهي وتعليمي في الوقت نفسه.
لكن الحرب أوقفت التنفيذ بالكامل، وأجبرت الشقيقتين على تأجيل المشروع إلى أجل غير معلوم.
وبعد مرور أشهر، قررتا استئناف العمل رغم الدمار الكبير. وبدأتا في البحث عن مكان مناسب يستطيع استقبال الأطفال والعائلات. واختارتا سطح أحد المنازل ليكون نقطة الانطلاق، رغم الأضرار التي لحقت به نتيجة القصف.
السينما الإنسانية،أشهر من العمل لإعادة تأهيل المكان
لم يكن تحويل السطح إلى دار عرض مهمة سهلة.
بل واجهت الشقيقتان تحديات كبيرة منذ اليوم الأول.
وأعادتا تأهيل الممر المؤدي إلى الموقع بعد تعرضه لأضرار جسيمة. كما أصلحتا درج المبنى حتى يتمكن الزوار من الوصول بسهولة وأمان.
واستغرق تنفيذ أعمال الترميم عدة أشهر، بسبب نقص المواد وارتفاع تكاليف البناء وصعوبة توفير المستلزمات الأساسية.
ورغم ذلك، واصلتا العمل يومًا بعد يوم حتى أصبح المكان جاهزًا لاستقبال الجمهور.
السينما الإنسانية،سينما للأطفال ورسالة إنسانية
لم يقتصر هدف المشروع على عرض أفلام الرسوم المتحركة فقط.
بل ركز على تقديم دعم نفسي للأطفال الذين عاشوا أجواء الحرب، وفقد كثير منهم الشعور بالأمان والاستقرار.
وأكدت الشريكة المؤسسة للمشروع، صفاء ضبان، أن السينما تمنح الأطفال فرصة للابتسام واللعب والتفاعل مع الآخرين.
وأضافت أن المشروع ينظم عروضًا مجانية بشكل دوري للأطفال الأيتام، في محاولة لإدخال السعادة إلى قلوبهم، وتعويضهم عن جزء من المعاناة التي عاشوها.
وأشارت إلى أن الأطفال يحتاجون إلى الترفيه بقدر حاجتهم إلى التعليم والرعاية، لأن الصحة النفسية أصبحت عنصرًا أساسيًا في تجاوز آثار الحرب.
السينما الإنسانية،العائلات تجد متنفسًا بعيدًا عن الضغوط
استقبلت السينما منذ افتتاحها عددًا من العائلات التي بحثت عن مكان يمنح أبناءها بعض السعادة.
ووجد كثير من الآباء والأمهات في المشروع فرصة لإبعاد أطفالهم مؤقتًا عن مشاهد الدمار والأخبار اليومية.
كما ساعدت العروض الترفيهية في خلق أجواء اجتماعية مختلفة، جمعت الأطفال داخل مساحة آمنة يسودها الفرح والتفاعل.
ولذلك، تحول المشروع إلى نقطة لقاء للعائلات، وليس مجرد مكان لمشاهدة الأفلام.
الكهرباء أكبر العقبات
واجهت إدارة المشروع مشكلة مستمرة تمثلت في الانقطاع المتكرر للتيار الكهربائي.
وأثرت هذه الأزمة بشكل مباشر في مواعيد العروض وتشغيل الأجهزة.
وللتغلب على هذه المشكلة، وفرت إدارة السينما مولدات كهربائية تعمل بالوقود، حتى تضمن استمرار الأنشطة دون توقف.
لكن تشغيل المولدات رفع النفقات التشغيلية بصورة ملحوظة، خاصة مع ارتفاع أسعار الوقود.
ارتفاع الأسعار يزيد التحديات
لم تتوقف الصعوبات عند أزمة الكهرباء.
بل ارتفعت أيضًا أسعار مواد البناء بصورة كبيرة.
واضطرت الشقيقتان إلى شراء الحديد والشوادر بأسعار مرتفعة، حتى تتمكنا من تجهيز السطح وتأمينه.
كما تحملتا تكلفة شراء المقاعد وشاشة العرض ومعدات الصوت والإضاءة، رغم محدودية الإمكانات المالية.
ورغم هذه الظروف، رفضتا التراجع عن المشروع، وواصلتا العمل حتى خرج إلى النور.
تحويل آثار القصف إلى لوحات فنية
اختارت الشقيقتان التعامل مع آثار الحرب بطريقة مختلفة.
ولم تكتفيا بإخفاء آثار الدمار، بل حولتاها إلى عناصر جمالية داخل المكان.
وغطتا الثقوب الموجودة في الجدران والأعمدة بديكورات مصنوعة من القطن.
كما استخدمتا بعض الفتحات الناتجة عن الانفجارات لتعليق ملصقات الأفلام.
وأضفت هذه اللمسات طابعًا فريدًا على السينما، ورسخت رسالة مفادها أن الحياة تستطيع أن تنتصر حتى وسط الركام.
مبادرة تعتمد على الجهد الشخصي
اعتمد المشروع منذ البداية على جهود مؤسسَتيه، دون إمكانات كبيرة أو تجهيزات ضخمة.
وأدارت الشقيقتان مختلف مراحل التنفيذ بأنفسهما، بداية من أعمال الترميم، مرورًا بتجهيز المكان، وصولًا إلى تنظيم العروض واستقبال الزوار.
وأثبتت هذه التجربة أن الإرادة يمكنها تجاوز كثير من العقبات عندما يتوافر الإصرار والرغبة في خدمة المجتمع.
خطط للتوسع والوصول إلى الجميع
لا تقتصر طموحات القائمتين على المشروع عند حدود الموقع الحالي.
بل تعملان على تطوير المبادرة خلال المرحلة المقبلة.
وتسعيان إلى زيادة عدد العروض، واستقبال أعداد أكبر من الأطفال.
كما تخططان لتقليل تكاليف التشغيل، حتى تتمكنا من خفض أسعار التذاكر، وجعل السينما في متناول جميع الأسر، خاصة الفئات الأكثر احتياجًا.
وتأملان أيضًا في تنظيم فعاليات ثقافية وترفيهية إضافية، تسهم في تنمية مهارات الأطفال وتشجعهم على الإبداع.
الأمل ينتصر على الحرب
يعكس مشروع “سينما هوس” صورة مختلفة عن الحياة في قطاع غزة.
فبينما تفرض الحرب تحديات قاسية على السكان، يواصل كثير من الشباب إطلاق مبادرات إنسانية تعيد الأمل إلى المجتمع.
وتؤكد هذه التجربة أن الأطفال يحتاجون إلى مساحات آمنة تمنحهم الفرح، تمامًا كما يحتاجون إلى الغذاء والتعليم والرعاية الصحية.
وفي النهاية، نجحت الشقيقتان في تحويل سطح منزل متضرر إلى نافذة تطل على عالم مليء بالألوان والضحكات. كما أثبتتا أن الإرادة قادرة على صناعة الحياة، وأن الأمل يستطيع أن ينمو حتى فوق أنقاض الحرب، ليمنح أطفال غزة فرصة جديدة للابتسام، ويحمل رسالة إنسانية تؤكد أن المستقبل يبدأ دائمًا بخطوة شجاعة، مهما كانت الظروف قاسية.








