كتب:عبد الغني اليوسفي
يمر الصراع في اليمن بمرحلة مفصلية؛ ففي بلدٍ لم يتوقف فيه صوت الرصاص منذ أحد عشر عاماً، لم تكن الحرب يوماً بين طرفين فقط. كانت دائماً تشابكاً بين عشرات الأطراف، تصنعها أيادٍ خارجية، وتُغذّيها خلافات داخلية، وتدفع ثمنها مدنٌ كاملة تحوّلت إلى أنقاض.
مشهد من التربة
في مدينة التربة، جنوبي تعز، ظهر رجل يحمل سلاحه ويسير بجوار عناصر الحوثي أمام مستشفى خليفة. لم يكن مشهداً عابراً. كان تتويجاً لستّ سنوات من الاحتضان والغطاء والتواطؤ، كما تقول تقارير أمنية يمنية.
الرجل يُدعى أمجد خالد. وكان حتى وقت قريب قائداً لما يُعرف بـ”لواء النقل”. لكن سجله، بحسب تحقيقات نيابة مكافحة الإرهاب في عدن، يمتد إلى سبع عمليات إرهابية كبرى، بينها استهداف موكب محافظ عدن السابق أحمد لملس، وتفجير بوابة مطار عدن الدولي عام 2021.
كيف وصل رجلٌ بهذا السجل إلى قلب التربة؟ ولماذا لم يُوقف؟
الجواب، كما تقول مصادر يمنية متطابقة، يقع في مكان آخر: في منظومة المكونات الموازية التي أعمقت الصراع في اليمن وبُنيت بعناية على مدى عقد كامل.
خريطة الفوضى
لم تكن الحرب اليمنية مجرد مواجهة تقليدية بين “شرعية” و”انقلاب” فحسب، بل كانت هندسة معقدة لمكونات متناحرة غذّت تعقيد الصراع في اليمن، كل منها يحمل ولاءً مختلفاً ويحصل على دعم مختلف:
| المكونات المدعومة إماراتياً | المكونات المدعومة سعودياً |
| المجلس الانتقالي الجنوبي | حزب الإصلاح (الجناح الإخواني) |
| المكون الحضرمي | الجيش الوطني |
| المقاومة الوطنية | تنظيم القاعدة |
| قوات العمالقة | التيارات السلفية وقوات الطوارئ ودرع الوطن |
ملاحظة تحليليّة: هذه المكونات، على اختلاف مرجعياتها، تتقاطع في نقطة واحدة: مخالفتها للمرجعيات والقرارات الدولية.
ويقول مراقبون إن هذه الهندسة لم تكن عشوائية بل كانت مقصودة؛ فكل مكون يُوازن الآخر، وكل قوة تُشلّ الأخرى، والنتيجة: دولة بلا مركز، وقرار بلا صاحب، وفوضى بلا نهاية.


السؤال الذي لا يُطرح علناً
ثمة سؤال يتردد في أروقة السياسة، لكنه نادراً ما يُطرح علناً حول أسباب استطالة وتشعّب الصراع في اليمن:
هل ما جرى لليمن كان نتيجة تصرفات الإمارات وإهمال السعودية؟ أم أن هناك مخططاً أوسع؟
هل ما أصاب الإمارات وحلفاءها من الإصلاح والسعودية سيُنسى؟
هل تقع تحركات دول الخليج في اليمن ضمن المرجعيات الدولية، أم أنها خارجة عن أي إطار؟
هل تتكشف حقيقة اللقاء بين الإمارات والسعودية وما انتهى إليه؟
وهل أصبح تقسيم اليمن إلى قسمين احتمالاً مؤجلاً بعد أن كان مستبعداً؟
إزالة المكونات.. أم إعادة ترتيبها؟
في نهاية 2025 وبداية 2026، جرى ما وُصف بـ”إزالة” المكونات الموازية. طُبّق ذلك على المجلس الانتقالي، ثم على المقاومة الوطنية (عفاش) في الفترة من 1 أغسطس إلى 10 سبتمبر 2026.
لكن السؤال الأهم: لماذا صمتت الدولة والتحالف في تلك الفترة؟
ففي غرب تعز، تقول تقارير ميدانية إن مؤشرات “خيانة” الإصلاح كانت واضحة. تواطؤ. انسحابات. إسقاط 11 مديرية. انسحاب 29 وحدة عسكرية تابعة للإصلاح والجيش الوطني.
فهل كان الأمر مخططاً ومُشرفاً عليه سعودياً؟ أم أنه مخطط إيراني-حوثي-عماني-إماراتي-قطري؟
الجبولي.. من يحتضن من؟
في قلب هذه القصة، يبرز اسم آخر: أبو بكر الجبولي، قائد محور طور الباحة.
تقول تقارير إن الجبولي هو من احتضن أمجد خالد، ووفّر له الملاذ في مناطق سيطرته بين الشمايتين والمقاطرة. ثم جاء دوره في سقوط الحجرية والتربة عبر انسحاب كامل لقواته بأسلحتها المتوسطة والثقيلة.
المفارقة: من يحتضن رجلاً مُداناً بالإرهاب، هو نفسه من يُتهم بإسقاط المدن.
شبكة تعمل في الظل
في فبراير 2024، أصدر المجلس الرئاسي اليمني قراراً بالإطاحة بأمجد خالد من قيادة لواء النقل. وفي أبريل من العام نفسه، صدر حكم قضائي نهائي من محكمة الإرهاب بعدن بإعدامه.
لكنه لم يُعدَم. ولم يُوقف. استمر في التنقل والمناورة.
وفي فبراير 2025، صدرت توجيهات رئاسية بضبطه. أُوقف شكلياً في التربة، ثم فرّ. بتواطؤ واضح، كما تقول مصادر أمنية، من قوات الإصلاح ومحور طور الباحة.
وعندما داهمت أجهزة أمنية مقرين لأتباعه في يونيو الماضي، خرج خالد في مقطع فيديو يهدد قيادات الإصلاح بنشر التسجيلات والوثائق للعهود والتفاهمات المبرمة بينهما، قائلاً لهم بصراحة: “لا تتخلوا عني، وإلا كشفت المستور”.
من يحمي من؟
كشفت اللجنة الأمنية العليا في اليمن عن شبكة إرهابية يديرها خالد، تعمل بالتنسيق المباشر مع قيادات حوثية نافذة:
محمد عبد الكريم الغماري (رئيس أركان قوات الحوثي).
عبد القادر الشامي (نائب رئيس جهاز الأمن والمخابرات الحوثي).
وتقول تقارير رسمية إن هذه الشبكة كانت تدير مخططاً واسعاً لإسقاط المدن المحررة من الداخل عبر الاغتيالات والتصفيات ومعامل تصنيع المتفجرات، وتوفير إحداثيات ومعلومات أمنية حساسة. ومن بين ضحاياها: مؤيد حميدي، مدير برنامج الغذاء العالمي في التربة، الذي اغتيل عام 2023.
سؤال بلا جواب
في النهاية، يبقى السؤال الأكبر معلقاً حول آفاق الصراع في اليمن: هل ما يحدث حرب بين أطراف مسلحة؟ أم أنه مشروع تفكيك مُدار بعناية؟
المدينة تسقط. القائد يفرّ. الميليشيا تتقدم. التواطؤ يُكشف. ثم يعود الجميع إلى مربع الصمت. وفي الخلفية، تبقى المكونات المتناحرة تفعل ما صُنعت من أجله: أن تتناحر.
خاتمة
في بلدٍ أنهكته الحرب، لم يعد السؤال عن من ينتصر. السؤال صار: من يريد لليمن ألا ينتصر أبداً؟
وكلما كُشف تواطؤ، وكلما سقطت مدينة، وكلما فرّ مُدان، يبدو الجواب أوضح. لكنه يبقى، كما كل شيء في مسار الصراع في اليمن، مؤجلاً.
المصادر: تقارير صحيفة “الأيام”، تقارير “العين الإخبارية“، بيانات اللجنة الأمنية العليا، تحقيقات نيابة مكافحة الإرهاب في عدن، وثائق المجلس الرئاسي.
تنويه: هذا التحقيق مبني على مواد صحفية ووثائق رسمية متداولة، ويُعرض بوصفه قراءة تحليلية لما ورد فيها. لا يعني نشره تبني مضامينه أو تأكيداً نهائياً لصحتها، إذ تظل بعض الوقائع بحاجة إلى مزيد من التحقق والتوثيق المستقل.
تحليل “غربة نيوز” (Ghorba News Analysis)
ويرى قسم التحليل السياسي والسياسات الإقليمية في غربة نيوز أن ما يكشفه هذا التقرير يمثل نمطاً ممتداً للسياسات الإقليمية في تعاطيها مع الملف السياسي والأمني.
تتلخص قراءة غربة نيوز في ثلاث نقاط رئيسية:
تفريغ مفهوم الدولة: إنشاء المكونات الموازية وإدارتها بالوكالة أدى حتماً إلى شلل مؤسسات السلطة الشرعية، وتحويل المواجهة من بناء الدولة إلى استنزاف الخصوم داخل الصف الواحد.
استثمار الفوضى: تخلق ظاهرة “الأبواب الخلفية” والتخادم الضمني بين قوى متباينة أيدولوجياً (مثل التخادم الميداني بين الشبكات الإرهابية وجماعة الحوثي) بيئة خصبة لإدامة الصراع وتعطيل أي مسار لحل سياسي شامل.
تغليب الصفقات الجزئية: إن المراهنة على تفاهمات مؤقتة أو “إعادة ترتيب” التشكيلات المسلحة دون معالجة جذور الصراع وجمع السلاح تحت سلطة مركزية واحدة لن يؤدي سوى إلى ترحيل الأزمات وتأجيل الانهيار الشامل، مما يضاعف الكلفة الإنسانية والاقتصادية على المواطن اليمني.


الصراع في اليمن









