الكاتب/ اسعد عبدالله عبدعلي
كان يردد في داخله: حين يشيخُ الشهرُ مبكراً.. عن الضائقة المالية الشهرية المزمنة التي تحصل له. سار خطوة نحو السوقِ، يجرُّ خيبات متراكمة وفي جيبه بضعُ دنانير. هي كلّ ما تبقى من “دينٍ” استلفهُ من صديقٍ، بعد أن ضاقت به السبل هو الآخر.
كان الدخول إلى السوق رحلةً اضطرارية، لتأمين الرمق الأخير من الاحتياجات الضرورية. في زمنٍ بات فيه الراتبُ كقطعة ثلجٍ توضعُ تحت شمس تموز؛ يتبخرُ عند منتصف الشهر. تاركاً إيانا في مهبّ الديون والتدبير المرّ.
لكنَّ شيئاً ما كان يهمسُ بالغرابة؛ السوقُ الذي اعتدتُ زحام أجساده وتداخل أصوات باعتِه، بدا اليوم شاحباً وكأنه استيقظ من كابوس! المحالُّ مشرعة الأبواب، لكنَّ الوجوه غائبة، والممراتُ خاليةٌ إلا من أشباحِ العابرين. وقفتُ أمام شابٍ يملأ فراغ محله بملابس زاهية لم تجد من يلمسها. سألتهُ بنبرةٍ غلفها الاستغراب: “أين الناس؟ لماذا يبدو السوق مهجوراً هكذا؟”.
نظر إليّ بعينين أرهقهما الانتظار، وأجاب بصوتٍ مخنوق: “الرواتبُ محبوسةٌ في أدراج الحكومة، والناسُ هنا محبوسون في دوامة العسر. حين تجفُّ الجيوب، تذبلُ الأسواق وتتوقفُ الحياة.”
مشهد الانكسار والوقار الحزين
وبينما كنتُ أحاول استيعاب الصمت الثقيل، وقع نظري على مشهدٍ مزّق قلبي. شاهدت رجلاً وزوجته، يرتديان من الثياب أنظفها ومن الوقار أجمله. وقفا بصمتٍ أمام واجهة محلّ للدجاج المشوي. كانت رائحة الشواء تملأ المكان، وعيونهما تلمعُ بحسرةٍ مكتومة لا تخطئها العين. كأن جداراً من الزجاج يفصلُ بينهما وبين رغبةٍ بسيطة لا يملكان ثمنها.
لم يطُل وقوفهما؛ تبادلا نظرةً منكسرة، ثم انسحبا بوقارٍ حزين نحو دكان “فالح أبو العمبة”. هناك، حيثُ الفلافل هي الملاذ الأخير للكرامة والبطون الجائعة. اشتريا لفافةً يتقاسمان فيها الصبر قبل الزاد، وغابا في زحام الهموم.
تداعيات تأخير الرواتب على الاستقرار
يعد تأخير صرف الرواتب الشهرية للموظفين في العراق أزمة حقيقية، تمس صميم الاستقرار المعيشي والاجتماعي. حيث يرتبط دخل ملايين الأسر بشكل كلي بهذه المبالغ البسيطة التي تسمى بالراتب، لتأمين أدنى متطلبات البقاء.
يؤدي هذا الارتباك المالي إلى شلل تام في القوة الشرائية داخل الأسواق المحلية. مما يتسبب في ركود اقتصادي يلقي بظلاله على أصحاب المحال والمهن الحرة. كما يضع الموظف تحت ضغط نفسي هائل، نتيجة عجزه عن سداد الإيجارات المتراكمة وفواتير الخدمات.
يولد هذا الوضع حالة من الاحتقان الاجتماعي، وتراجعاً ملحوظاً في الإنتاجية الوظيفية. فضلاً عن إجبار الكثير من العوائل على تقليص نفقات التعليم والرعاية الصحية الضرورية. وهذا التذبذب يفتح الباب أمام زيادة المشاكل الأسرية، واللجوء إلى الاقتراض بفوائد تثقل كاهل المواطن.
الحق القانوني في غرامات التأخير
تعد المطالبة بفرض غرامة مالية على الجهات الحكومية في حال تأخير صرف الرواتب حقاً قانونياً وأخلاقياً. يهدف هذا المطلب إلى حماية كرامة المواطن واستقراره المعيشي. فمثلما تفرض الدولة غرامات على المواطن عند تأخره في تسديد الفواتير أو الضرائب، فإن العدالة تقتضي التعامل بالمثل.
الراتب ليس منحة بل هو مقابل جهد مبذول وارتباطات حياتية لا تقبل التأجيل. وتكمن ضرورة هذه الغرامة في كونها تعويضاً مادياً عن الأضرار النفسية والمادية التي تلحق بالموظف. كما أن وجود تشريع يفرض غرامات التأخير سيعمل كأداة ضغط فاعلة لإجبار المؤسسات على تنظيم حساباتها بدقة. مما يعزز الثقة بين المواطن والدولة، ويضمن تدفق السيولة في السوق بشكل منتظم.
حلول استراتيجية لإنهاء الأزمة
تتمثل الحلول المقترحة في تبني استراتيجية شاملة تعتمد على تنويع مصادر الدخل، بدلاً من الاعتماد الكلي على الريع النفطي. كما يتطلب الأمر تفعيل الأتمتة الإلكترونية الشاملة للنظام المالي والمصرفي، لضمان سرعة انتقال الأموال بعيداً عن الروتين الإداري القاتل.
ويبرز أيضاً مقترح إنشاء صندوق سيادي خاص للطوارئ، يخصص حصرياً لتغطية الرواتب في أوقات الأزمات المالية. بالإضافة إلى ضرورة حصر الأعداد الحقيقية للموظفين من خلال نظام البصمة الموحدة، للقضاء على ظاهرة الفضائيين وتكرار الرواتب. مع أهمية تعزيز القطاع الخاص ليصبح شريكاً في استيعاب اليد العاملة، وتقليل الضغط عن القطاع العام. مما يؤدي في النهاية إلى استقرار مالي يضمن تدفق المستحقات في مواعيدها الثابتة.

