أزمة السيولة في غزة لم تعد مجرد مشكلة عابرة بل تحولت إلى كارثة نقدية تهدد صمود السكان. علاوة على ذلك فإن أزمة السيولة في غزة تسببت في توقف كامل لعجلة الإنتاج والحركة التجارية اليومية.
انهيار المنظومة المصرفية وحجم الخسائر المباشرة
بناء على ذلك تشير التقديرات الاقتصادية إلى أن خسائر البنوك في غزة تجاوزت 800 مليون دولار. نتيجة لذلك فقد تعرض أكثر من 65 فرع بنكي للتدمير الكلي أو الجزئي بفعل الغارات الجوية. إضافة إلى ذلك خرجت نحو 150 صراف آلي عن الخدمة مما قطع صلة الجمهور بأرصدتهم المالية. ومن ناحية أخرى فقدت المصارف القدرة على الوصول إلى خزائن تحتوي على مئات الملايين من الشواكل. بالمقابل يقدر خبراء المال أن حجم النقد المحبوس أو التالف داخل المباني المحطمة يفوق 400 مليون دولار.
تهالك العملة الورقية واختفاء النقد الجديد تماما
من جهة ثانية باتت العملة الورقية المتداولة في الأسواق تعاني من نسبة تهالك تصل إلى 90 بالمئة. بسبب ذلك يضطر 2000000 مواطن للتعامل يوميا بأوراق نقدية ممزقة وفاقدة لكل خصائصها الأمنية. فضلا عن ذلك توقفت تماما عمليات توريد النقد الجديد التي كانت تضخ 100 مليون شيكل شهريا. من ناحية ثانية أدى هذا العجز إلى اختفاء الفئات الصغيرة مثل 10 و 20 شيكل بنسبة 70 بالمئة. علاوة على ما سبق يعاني المواطن من صعوبة بالغة في إتمام المشتريات البسيطة التي تتطلب فكة نظيفة.
خسائر التجار وانهيار القوة الشرائية في الأسواق
تبعاً لذلك سجلت الأسواق المحلية تراجعا حادا في حركة المبيعات بنسبة تجاوزت 85 بالمئة حاليا. في الوقت ذاته فقد التجار الصغار نحو 300 مليون دولار بسبب رفض قبول العملات المهترئة. بالإضافة إلى ذلك تفرض السوق السوداء عمولات غير قانونية تتراوح بين 10 بالمئة إلى 20 بالمئة. على سبيل المثال يخسر الموظف الذي يتقاضى 2000 شيكل ما يقارب 400 شيكل لتوفير سيولة نقدية. بالنتيجة تسببت هذه العمولات في تآكل دخل الأسر الفقيرة في ظل غلاء معيشي فاحش وغير مسبوق.
مهنة ترميم النقود ومحاولات الإنقاذ الشعبية البديلة
في المقابل انتشرت في الشوارع أكثر من 500 بسطة عشوائية تعمل في مجال لصق وترميم العملات. بناء عليه يتقاضى هؤلاء المرممون مبالغ تتراوح بين 1 و 5 شواكل مقابل إصلاح الورقة الواحدة. علاوة على ذلك تستخدم هذه البسطات أدوات بدائية مثل اللاصق الشفاف لإعادة تجميع العملات المقطوعة. من جهة أخرى تعكس هذه الأرقام حجم المأساة التي دفعت الناس للبحث عن حلول خارج المنطق. بالإضافة إلى ذلك تفتقر هذه العمليات لأي ضمان قانوني مما يجعل التداول بهذه الأوراق مخاطرة دائمة.
شلل الرواتب وتوقف صرف المساعدات الدولية العاجلة
بناء على ما تقدم يواجه نحو 150000 موظف وعامل أزمة حقيقية في استلام رواتبهم الشهرية بانتظام. نتيجة لذلك تصل نسبة العجز في توفر السيولة لصرف المساعدات الإنسانية إلى أكثر من 60 بالمئة. كذلك يضطر المواطنون للانتظار في طوابير تمتد لأيام أمام صراف آلي واحد قد يعمل لساعة فقط. إضافة إلى ذلك تسبب هذا الزحام في وقوع حوادث تدافع وخسائر مادية ومعنوية في صفوف النازحين. ومن ثم يقدر حجم السيولة المطلوبة لإنعاش السوق بحد أدنى يصل إلى 250 مليون دولار نقدا.
غياب الرقابة المالية وتصاعد عمليات الاحتيال المنظمة
علاوة على ذلك أدى غياب الدور الرقابي لسلطة النقد إلى ضياع حقوق مالية تقدر بنحو 50 مليون دولار. بالمثل ظهرت عملات مزورة استفادت من حالة الاهتراء العام للأوراق النقدية وصعوبة فحصها يدويا. من ناحية أخرى يستغل بعض التجار حاجة المواطن ويقبلون العملة التالفة مقابل رفع السعر 30 بالمئة. إضافة لذلك تضاعفت أعباء الديون والقروض غير المسددة لتصل لمستويات تهدد الاستقرار الاجتماعي. بالتالي يعيش المجتمع حالة من القلق المالي تمنع أي عمليات استثمار أو ادخار في الوقت الراهن.
الحلول المقترحة لإنقاذ ما تبقى من اقتصاد غزة
في الختام يتطلب الواقع الحالي إدخال فئات نقدية جديدة بقيمة لا تقل عن 500 مليون شيكل. بالإضافة إلى ذلك تحتاج غزة إلى تشغيل 20 مركز صرافة متنقل لتعويض نقص الفروع البنكية المدمرة. كذلك يجب توفير حماية دولية لسيارات نقل الأموال لضمان وصول السيولة لكافة مناطق القطاع المنكوب. من جهة ثانية يبقى تفعيل الدفع الإلكتروني حلا صعبا طالما بقيت نسبة انقطاع الإنترنت 95 بالمئة. أخيرا ستظل الأرقام تتصاعد والوضع يتفاقم ما لم تفتح المعابر لإعادة ضخ الروح في شريان الاقتصاد.


