أوروبا تستعد لمكافحة الحرائق هذا الصيف، في خطوة غير مسبوقة تعكس حجم التحديات البيئية التي تواجهها القارة الأوروبية، أعلنت المفوضية الأوروبية إطلاق أضخم عملية لمكافحة حرائق الغابات منذ تأسيس برامج الحماية المدنية المشتركة.
وجاء هذا التحرك الواسع بعد موسم حرائق قاس شهدته عدة دول أوروبية خلال العام الماضي.
وذلك إضافة إلى المؤشرات المناخية التي تنذر بصيف شديد الخطورة خلال عام 2026.
وتسعى السلطات الأوروبية من خلال هذه الخطة إلى تعزيز الاستعدادات الميدانية قبل اندلاع الحرائق الكبرى.
وذلك عبر نشر مئات من رجال الإطفاء وتوفير أسطول جوي متخصص للتدخل السريع في المناطق الأكثر عرضة لخطر الحرائق خلال الأشهر المقبلة.
أوروبا تستعد لمكافحة الحرائق هذا الصيف، كارثة 2025 تدفع أوروبا إلى التحرك
جاءت الاستعدادات الأوروبية المكثفة بعد الخسائر الكبيرة التي خلفتها حرائق الغابات خلال عام 2025، والتي اعتبرت من بين الأسوأ في تاريخ القارة خلال العقود الأخيرة.
وشهدت إسبانيا وحدها احتراق ما يقارب 350 ألف هكتار من الأراضي والغابات، في مشهد أثار قلق الحكومات الأوروبية ودفعها إلى إعادة تقييم استراتيجيات التعامل مع الكوارث الطبيعية المتزايدة.
وأظهرت الحرائق مدى خطورة التغيرات المناخية وتأثيرها المباشر على البيئة والاقتصاد والحياة اليومية للمواطنين.
حيث تسببت في خسائر بيئية كبيرة وألحقت أضرارا بالممتلكات والبنية التحتية في عدد من المناطق المتضررة.
أوروبا تستعد لمكافحة الحرائق هذا الصيف، نشر 777 رجل إطفاء في دول الخطر
ضمن الخطة الجديدة، قررت المفوضية الأوروبية نشر 777 رجل إطفاء من 14 دولة أوروبية مختلفة في عدد من المناطق التي تصنف على أنها الأكثر عرضة لخطر اندلاع الحرائق.
وسيتم توزيع فرق الإطفاء بشكل استباقي في عدة دول من بينها إسبانيا والبرتغال وفرنسا وإيطاليا واليونان وقبرص، وذلك بهدف ضمان التدخل السريع والفعال عند ظهور أي بؤر نيران خلال موسم الصيف.
ويعد هذا العدد من رجال الإطفاء الأكبر منذ بدء العمل ببرامج الحماية المدنية الأوروبية، ما يعكس حجم القلق المتزايد من احتمالية اندلاع حرائق واسعة النطاق خلال الأشهر المقبلة.
وتؤكد المفوضية الأوروبية أن الاعتماد على الانتشار المبكر للفرق المختصة يساهم في احتواء الحرائق خلال مراحلها الأولى، قبل أن تتحول إلى كوارث يصعب السيطرة عليها.
موجات حر مبكرة ترفع مستوى التهديد
ساهمت الظروف المناخية الاستثنائية التي شهدتها أوروبا خلال شهر مايو 2026 في زيادة المخاوف من موسم حرائق صعب للغاية.
فقد سجلت عدة دول أوروبية درجات حرارة مرتفعة بشكل غير معتاد لهذا الوقت من العام، حيث شهدت فرنسا وبريطانيا وأيرلندا موجات حر مبكرة دفعت درجات الحرارة إلى مستويات قياسية.
ويرى خبراء المناخ أن هذه الظواهر تشكل مؤشرا واضحا على التغيرات المناخية المتسارعة التي تؤثر على القارة الأوروبية، وتؤدي إلى جفاف الغطاء النباتي وزيادة احتمالات اشتعال الحرائق وانتشارها بسرعة أكبر.
كما تشير الدراسات الحديثة إلى أن مواسم الحرائق أصبحت تبدأ في وقت أبكر مقارنة بالسنوات الماضية، وهو ما يفرض على الحكومات اتخاذ إجراءات وقائية قبل حلول فصل الصيف رسميا.
دعم جوي واسع لمواجهة الحرائق
إلى جانب نشر فرق الإطفاء البرية، عزز الاتحاد الأوروبي قدراته الجوية من خلال تجهيز أسطول متخصص للتعامل مع الحرائق الكبرى.
وتشمل الخطة توفير 22 طائرة مخصصة لإخماد الحرائق، بالإضافة إلى خمس مروحيات مجهزة بأحدث التقنيات اللازمة للمشاركة في عمليات المكافحة والإنقاذ.
وستبقى هذه الوسائل الجوية في حالة جاهزية كاملة للتدخل الفوري بمجرد تلقي أي طلب مساعدة من الدول المتضررة، بما يضمن سرعة الاستجابة وتقليل حجم الخسائر المحتملة.
ويعتبر الدعم الجوي أحد أهم العناصر في مواجهة حرائق الغابات.
خاصة في المناطق الجبلية أو الوعرة التي يصعب الوصول إليها عبر الفرق الأرضية فقط.
التضامن الأوروبي في مواجهة الكوارث
أكدت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين أن هذه العملية تمثل نموذجا عمليا للتعاون بين الدول الأوروبية في مواجهة التحديات المشتركة.
وأوضحت أن رجال الإطفاء المشاركين في المهمة يجمعهم هدف واحد يتمثل في حماية السكان والمنازل والغابات من المخاطر المتزايدة للحرائق.
كما شددت على أن التضامن بين الدول الأعضاء يمثل أحد أهم عناصر النجاح في مواجهة الكوارث الطبيعية.
خاصة في ظل التحديات المناخية المتزايدة التي لا تعترف بالحدود الجغرافية.
إسبانيا تواجه حرائق نشطة بالفعل
في الوقت الذي تستعد فيه أوروبا لموسم الحرائق، تشهد إسبانيا بالفعل عدة حرائق نشطة في مناطق مختلفة من البلاد.
ففي أواخر شهر مايو الماضي، اندلع حريق كبير داخل حديقة دونانا الوطنية، ما أدى إلى احتراق أكثر من 300 هكتار من الأراضي الطبيعية.
واستغرقت فرق الإطفاء أربعة أيام متواصلة للسيطرة الكاملة على النيران ومنع امتدادها إلى مناطق جديدة.
كما شهدت منطقة مرسية حريقا آخر في حديقة إل باي كاراسكوي الإقليمية، حيث أتت النيران على نحو 177 هكتارا من الأراضي.
وذلك ما أجبر السلطات على إجلاء قرابة 100 شخص من سكان منطقة لوس جاريس كإجراء احترازي للحفاظ على سلامتهم.
وشاركت في عمليات الإطفاء والإنقاذ أكثر من 200 قوة عسكرية مدعومة بنحو 70 آلية تابعة لوحدة الطوارئ العسكرية الإسبانية.
تحديات متزايدة بسبب تغير المناخ
يرى خبراء البيئة أن التحدي الأكبر الذي يواجه أوروبا خلال السنوات المقبلة يتمثل في التأثيرات المتصاعدة لتغير المناخ، والتي تؤدي إلى ارتفاع درجات الحرارة وزيادة فترات الجفاف واشتداد موجات الحر.
وتشير التوقعات إلى أن صيف 2026 قد يكون من أكثر فصول الصيف حرارة خلال السنوات الأخيرة.
هذا ما يرفع احتمالات اندلاع حرائق جديدة في العديد من الدول الأوروبية.
وفي هذا السياق، تسمح آلية الحماية المدنية الأوروبية للدول الأعضاء بطلب الدعم الفوري عندما تتجاوز الكارثة قدراتها المحلية.
وهو ما يوفر شبكة أمان جماعية تساعد على مواجهة الأزمات بسرعة وكفاءة.
ومع استمرار التحذيرات المناخية وارتفاع درجات الحرارة في مختلف أنحاء القارة، تواصل أوروبا تعزيز جاهزيتها أملا في الحد من الخسائر البشرية والبيئية التي قد تخلفها حرائق الغابات خلال الموسم المقبل.


