

تأثير التضخم والضرائب على حياة المواطن البغدادي، أصبح لها صدى كبير حيث أنه في ذلك الصباح البغدادي، كانت الرطوبة والضجيج يملآن الأجواء. حينها، بدأت أمعائي تقود انقلاباً عسكرياً ضد وقاري وثباتي. تردد صدى صراخ الجوع في أزقة “الحيدرخانة” القديمة، ولم أجد مفراً من الرضوخ لسلطان الجوع.
بناءً على ذلك، اتجهتُ صوب عربة فلافل “أبو علي” التي غطاها غبار الشارع. قلتُ له بلهجة الواثق: “عمي.. لفة فلافل بالعمبة، وكثّر الزلاطة، بلكي نحرك همومنا”. لكن البائع نظر إليّ بنظرة تجمع بين العطف والشماتة، ثم رفع كفيه كأنه يلقي خطبة عصماء. قال لي: “يا عيوني، اللفة اليوم شبت نار”. وأوضح أن الحكومة فرضت ضرائب على التجار، فما كان من التاجر إلا أن ألقى بالثقل علينا، ونحن رميناه عليك.
استثمار في أقراص الحمص
دفعُت الثمن وأنا أشعر بغصة، فكأنني لا أشتري فلافل بل أستثمر في سبائك ذهبية. التهمتها بمرارة، بينما كانت “العمبة” تقطر على قميصي كأنها دموع الكرامة. بعد ذلك، قررتُ الهروب من حرارة الموقف باتجاه “شارع الرشيد”.
رفعتُ يدي لـ “تكتك” يترنح بين السيارات كراقص باليه. ومع وصولنا، صدمتني الأجرة التي تضاعفت فجأة. سألت السائق بدهشة: “يا وليدي، شنهي القصة؟ الأجرة كانت بنص هذا السعر!”. مسح السائق عرقه الممتزج بزيت المحرك، وأجاب بأسى: “يا أستاذ، الحكومة رفعت أسعار البنزين”. وأضاف أن التكتك أصبح يستهلك ذهباً لا نفطاً، فنحن مسيّرون لا مخيّرون في هذا الغلاء.
تأثير التضخم والضرائب على حياة المواطن البغدادي، وخيبات في مقهى الأسطورة
نزلتُ أمشي بكسر خاطر، حتى التقيت بصديقي “علاء بيدياف”. سحبتُه من ياقة يأسه إلى “مقهى الأسطورة”، حيث يروي الدخان قصص العاطلين. طلبتُ له استكان شاي ليرمم أعصابه، وسألته عن حاله لأن وجهه كان يوحي بحزن عميق.
تنهد علاء تنهيدة كادت تطفئ نار الشاي، ثم أخبرني بخبر فسخ خطوبته. قال لي إن والد الفتاة اعتبر المهر القديم “عتيقاً” بسبب التضخم وقرارات الحكومة. فإما أن يضاعف المهر، أو يذهب ليبحث عن ابنة حلال تناسب ميزانيته.
تأثير التضخم والضرائب على حياة المواطن البغدادي، وأحلام تتبخر كالدخان
ضحكتُ ضحكة تشبه البكاء، وقلت له: “يا علاء، في بلدي، حتى نبضات القلب تخضع للضريبة”. فنحن الفقراء لا نملك سوى الحب سراً، والجوع علناً، وانتظار رحمة لا تمر عبر الحكومة. وضعتُ يدي على كتفه المثقلة بالخيبات، ونظرنا معاً إلى بخار الشاي وهو يمتزج بدخان النراجيل.
في النهاية، أدركتُ أن أحلامنا تتبخر وتتحول إلى دخان لا يمكن إمساكه. نحن مجرد أرقام في معادلة الكبار، حيث أصبح الرغيف يركض وراء سعر الصرف. ومع ذلك، نطلق ضحكتنا المجبولة بالمرارة، لنثبت لأنفسنا أننا ما زلنا نعيش، حتى لو كانت هذه الحياة “بالدين”.







