كتب/ أحمد عبدالله
توثيق الحرف اليدوية
تحمل كل حرفة في تفاصيلها حكاية.
وتخبئ كل يدٍ خشنة سنواتٍ طويلة من الصبر.
ومن هنا، وجدتُ رسالتي الحقيقية في أعماق أزقة المدن القديمة.
لم تكن الكاميرا بالنسبة لي مجرد أداة تصوير.
بل كانت نافذة أعيد من خلالها تقديم أبطالٍ مجهولين صنعوا هوية هذا الوطن بأيديهم.
بينما ظلوا هم بعيدين عن الأضواء.


توثيق الحرف اليدوية ورسالة أسمى من الشهرة
لم أعتبر توجيه عدستي نحو الحرفيين مجرد محاولة لصناعة محتوى عابر.
وبدلاً من ذلك، أيقنتُ أنني أحمل مسؤولية كبرى تجاه هؤلاء البسطاء.
لقد آمنتُ تماماً بأن خلف كل ورشة صغيرة قصة كفاح.
وأن سنوات الخبرة والإبداع تستحق أن تصل إلى الناس بكل صدق.
وعلاوة على ذلك، لم تكن رحلتي سهلة على الإطلاق.
فقد قطعتُ مئات الكيلومترات بين المحافظات والقرى بحثاً عن مهنٍ بدأت تختفي بسبب تغير نمط الحياة.
وبالفعل، دخلتُ ورشاً عتيقة لأكتشف عوالم مدهشة.
والتقيتُ بأشخاصٍ أخلصوا لمهن الآباء والأجداد رغم كل التحديات التي واجهوها.


الحرفي.. بطل القصة
حرصتُ في عملي على جعل الحرفي بطل القصة، لا مجرد ضيفٍ عابر أمام الكاميرا.
فكنت أتركه يتحدث بعفوية عن رحلته.
وعن الأسباب التي تدفعه للاستمرار رغم الصعاب.
وبمرور الوقت، أدركتُ أن الجمهور ينجذب للقصص الصادقة التي تحمل مشاعر إنسانية عميقة.
أنا أفضل هذا على جذبهم للصور الجميلة والمبهرة فقط.
وبناءً على ذلك، تحوّل عملي تدريجياً إلى مشروع نبيل لحماية التراث.
فكل فيديو قمت بتصويره وثّق مهنة قد تندثر مستقبلاً.
وكل لقاء حفظ جزءاً من تاريخٍ عاش في أيدي رجالٍ ونساء وهبوا حياتهم للإبداع.


توثيق الحرف اليدوية، وتأثير الكاميرا في الواقع
لقد أسعدني كثيراً صدى هذا المحتوى داخل مصر وخارجها.
على سبيل المثال، أخبرني شبابٌ كثر أنهم اكتشفوا مهناً لم يعرفوا بوجودها من قبل.
كما أكد لي بعض الحرفيين أن الفيديوهات أعادت الحياة لورشهم.
لقد جذبت هذه الفيديوهات زبائن جدداً بعد سنواتٍ من الركود.
ومن ثم، شعرتُ أن الكاميرا استطاعت بالفعل أن تحدث فرقاً ملموساً على أرض الواقع.


قيمة اليد المبدعة في عالم الآلات
تمثل الحرف اليدوية في جوهرها سجلاً حياً لثقافة المجتمع وتاريخه.
وتحمل كل قطعة يدوية جهداً بشرياً لا يمكن للآلات تعويضه مهما بلغت دقتها أو سرعتها.
ومع ذلك، ما زلت أشعر أنني في بداية الطريق.
فهناك عشرات المهن التي تنتظر من يروي حكايتها.
وهناك مئات الحرفيين الذين يحملون قصصاً تستحق التوثيق.
لذلك، سأواصل رحلاتي للبحث عن كل قصة تستحق أن تبقى في الذاكرة.
دعوة للحفاظ على الهوية
إن حماية التراث ليست مسؤولية المؤسسات وحدها.
بل هي واجب على كل فرد منا.
فعندما نقدّر الحرفي وننقل قصته للناس، فإننا نحمي جزءاً من هويتنا الوطنية.
وبالإضافة إلى ذلك، نمنح الأجيال الجديدة فرصة ذهبية للتعرف على كنوز صنعتها أيادٍ مصرية مبدعة.
ختاماً، سأظل مؤمناً أن الكاميرا وسيلة لحفظ الذاكرة البشرية.
وإن أعظم إنجازاتي هو أن تبقى أسماء هؤلاء المخلصين حاضرة في وجدان الناس.
فالأمم تخلد بتاريخها.
ويصنع التاريخ هؤلاء المخلصون الذين يعملون في صمتٍ بعيداً عن صخب الأضواء.


تتقدم موقع ‘غربة نيوز’ بخالص التقدير للكاتب المبدع أحمد عبدالله، إشادةً بما قدمه من رؤية توثيقية نبيلة في مقاله الأخير. لقد نجح بكلماته في إحياء ذاكرة الحرف اليدوية، مبرزاً كفاح صنّاع الهوية الوطنية، ومؤكداً أن الإبداع الحقيقي يكمن في الحفاظ على جذورنا وتراثنا مهما ابتعدت بنا المسافات، ليبقى جسراً يربط أجيالنا بالوطن.”









