الانقسام السياسي الليبي،تتعدد القراءات داخل المشهد السياسي الليبي بشأن مخرجات “الحوار المهيكل”، بينما تتباين التقديرات حول مدى قدرتها على إحداث اختراق حقيقي في الأزمة الممتدة، أو بقائها ضمن إطار التوصيات غير الملزمة التي تعيد إنتاج النقاشات السابقة دون تغيير جوهري في الواقع السياسي.
وفي هذا السياق، تكشف تصريحات عدد من الفاعلين والمحللين عن ثلاثة اتجاهات رئيسية: اتجاه يركز على محدودية المخرجات قانونياً وسياسياً، واتجاه يرى فيها استمراراً لنهج إدارة الأزمة، واتجاه ثالث يربط نجاحها بمدى توفر شروط اجتماعية وسياسية أعمق من مجرد تنظيم انتخابات.
الانقسام السياسي الليبي،مخرجات غير ملزمة وإطار استشاري واسع
يؤكد عضو الحوار السياسي الليبي صبري المبروك أن التوصيات الصادرة عن الحوار المهيكل لا تكتسب صفة الإلزام السياسي أو القانوني. ويبرر ذلك بعدم صدورها ضمن توافق كامل يرتبط مباشرة بمسار برلين.
ويشير المبروك إلى أن هذه المخرجات تظل في إطار الوثائق المرجعية والاستشارية. ويؤكد أنها قد تُستخدم في مراحل لاحقة ضمن مسارات التفاوض، دون أن تتحول بالضرورة إلى قرارات تنفيذية مباشرة.
كما يضيف أن التجارب الأممية السابقة في ليبيا تعاملت مع نتائج مشابهة بوصفها أدوات دعم للنقاش السياسي، وليس كمرجعيات ملزمة تحدد شكل الحل النهائي.
ومن ناحية أخرى، يطرح المبروك احتمالاً حساساً. إذ يرى أن بعض التوصيات قد تدفع نحو إطلاق مسار حواري جديد أو حتى تشكيل جسم سياسي جديد. لكنه يحذر من أن هذا المسار قد يعيد إنتاج التجارب السابقة نفسها التي لم تنجح في إنهاء الانقسام السياسي أو تحقيق الاستقرار.
ويؤكد في هذا الإطار أن ليبيا لا تواجه مجرد صراع داخلي تقليدي. بل تعيش حالة أكثر تعقيداً تتداخل فيها المصالح الدولية مع الفاعلين المحليين، حيث توظف أطراف خارجية القوى المحلية لتحقيق أهدافها الخاصة.
وانطلاقاً من هذا التشخيص، يطرح المبروك رؤية تعتبر أن الحل الحقيقي يبدأ من إعادة تأسيس الدولة على قاعدة توافق وطني شامل. ويشدد على ضرورة صياغة عقد اجتماعي جديد يحدد شكل النظام السياسي والاقتصادي والإداري.
ويضيف أن هذا المسار يجب أن يقود إلى دستور دائم. لكنه في الوقت نفسه يعترف بأن هذا الخيار يواجه عقبات دولية كبيرة، تفوق في بعض جوانبها حجم التحديات الداخلية.
الانقسام السياسي الليبي،مخرجات سياسية أم إدارة للأزمة؟
وفي اتجاه موازٍ، يقدم المحلل السياسي الليبي محمد الشيباني قراءة أكثر نقداً للمخرجات. إذ يرى أن ما صدر عن الحوار المهيكل لا يتجاوز كونه خطوطاً عامة وتوصيات ذات طابع إرشادي.
ويشير الشيباني إلى أن أبرز ما جاء في هذه المخرجات يتمثل في الدعوة إلى تشكيل حكومة موحدة تتولى الإشراف على الانتخابات الوطنية. ويؤكد أن هذا الطرح ليس جديداً، بل تكرر في مبادرات أممية سابقة دون أن يحقق نتائج ملموسة.
ومن ثم، يلفت إلى أن المشكلة الجوهرية لا ترتبط بغياب المقترحات. بل ترتبط بغياب الإرادة الدولية القادرة على فرض مسار موحد يقود إلى انتخابات رئاسية وبرلمانية متزامنة.
ويستخدم الشيباني هنا لغة مباشرة في التشخيص. إذ يؤكد أن استمرار الانقسام لا يعكس فقط خلافات داخلية، بل يعبر أيضاً عن تباين في أولويات القوى الدولية الفاعلة في الملف الليبي.
وعلى صعيد آخر، يشير إلى أن شريحة واسعة من الليبيين باتت تتعامل مع هذه المبادرات بحذر شديد. إذ تنظر إليها باعتبارها أدوات لإدارة الأزمة وليس كخطط حقيقية لإنهاء الانقسام.
وبالتالي، يزداد مستوى الشك الشعبي تجاه جدوى المسارات السياسية المتكررة، خاصة في ظل غياب نتائج ملموسة على الأرض.
الانقسام السياسي الليبي،أدوار دولية متباينة وصراع مقاربات
وفي سياق التحليل الدولي، يلفت الشيباني إلى أن الولايات المتحدة تعمل على إعادة تموضعها داخل الملف الليبي. ويأتي ذلك بالتوازي مع تصاعد الدعم الأوروبي للمسار الأممي.
ويؤكد أن هذا الحراك يعكس اختلافاً واضحاً في المقاربات. إذ تدعم الرؤية الأوروبية والأممية خيار الانتخابات باعتبارها مدخلاً أساسياً لإنتاج الشرعية السياسية.
في المقابل، تميل الرؤية الأميركية إلى مقاربة مختلفة. فهي تفضل تثبيت التفاهمات بين القوى المسيطرة على الأرض أولاً، ثم البناء عليها سياسياً في مرحلة لاحقة.
وهكذا، يعكس المشهد الدولي حالة من التباين المستمر. ويؤثر هذا التباين بشكل مباشر على فرص توحيد الموقف السياسي الدولي تجاه ليبيا.
الانقسام السياسي الليبي،أزمة تتجاوز صندوق الانتخابات
أما أستاذ العلوم السياسية الليبي عبدالوهاب الحار، فيقدم قراءة أكثر عمقاً لطبيعة الأزمة. إذ يرى أن الحوار المهيكل جاء استجابة مباشرة لغياب مؤسسات سياسية ليبية قادرة على تمثيل المجتمع بشكل حقيقي.
وبناءً على ذلك، يوضح أن هذا الحوار اكتسب طابعاً استشارياً أكثر منه تنفيذياً. أي أنه صمم ليقدم رؤى عامة وليس ليشكل سلطة قرار ملزمة.
ومع ذلك، يشدد الحار على ضرورة تقييم المخرجات ضمن هذا السياق. لكنه في الوقت نفسه يلاحظ أن هذه المخرجات لم تعالج بشكل كافٍ القضايا الجوهرية التي تحيط بالمرحلة المقبلة.
ومن بين هذه القضايا، يبرز ملف الانتخابات بوصفه التحدي الأكبر. لكنه يؤكد أن التحدي الحقيقي لا يتمثل في تنظيم الانتخابات فقط. بل في ضمان قبول نتائجها والالتزام بها من جميع الأطراف.
ويضيف أن غياب هذا القبول قد يؤدي إلى إعادة إنتاج الأزمة نفسها، حتى بعد إجراء أي استحقاق انتخابي.
الانقسام السياسي الليبي،توحيد المؤسسات بين المبادئ والواقع
ويواصل الحار تحليله بالتركيز على ملف توحيد المؤسسات العسكرية والأمنية. ويؤكد أن هذا الملف ما يزال محصوراً ضمن المبادئ العامة.
وبالتالي، لم تنتقل الجهود إلى مستوى وضع آليات تنفيذية واضحة يمكن تطبيقها على الأرض.
ويشير إلى أن هذا الغياب في التفاصيل العملية يضعف فرص تحقيق تقدم حقيقي في مسار توحيد الدولة.
ومن هنا، يبرز تحدٍ إضافي يتمثل في الفجوة بين الطموحات السياسية والممارسات الواقعية. وهي فجوة تتسع مع مرور الوقت وتعرقل أي تقدم ملموس.
أزمة بنيوية وعقد اجتماعي مفقود
وفي قراءة شاملة، يختتم الحار تحليله بالتأكيد على أن الأزمة الليبية لا تقتصر على البعد السياسي فقط. بل تمتد لتشمل أبعاداً اجتماعية عميقة ومركبة.
ويصف هذه الأزمة بأنها أزمة بنيوية تتعلق بطبيعة العلاقة بين المجتمع والدولة.
ويؤكد أن الحل لا يمكن أن يقتصر على الانتخابات أو الترتيبات المؤقتة. بل يجب أن يبدأ من إعادة بناء عقد اجتماعي جديد.
هذا العقد، وفق رؤيته، يجب أن يعزز التعايش والسلم المجتمعي أولاً. ثم يمهد لاحقاً لانتقال سياسي ودستوري مستقر.
خلاصة المشهد
في المحصلة، تكشف الآراء الثلاثة عن واقع سياسي معقد ومتشابك. فبين من يرى المخرجات غير ملزمة، ومن يعتبرها إدارة للأزمة، ومن يربط الحل بإعادة بناء الدولة من جذورها، يبقى المشهد الليبي مفتوحاً على احتمالات متعددة.
ومع استمرار التباين الدولي وتعدد الرؤى المحلية، يظل الوصول إلى تسوية شاملة مرهوناً بتوافق أوسع يتجاوز النصوص والتوصيات نحو إرادة سياسية حقيقية قادرة على تحويل المبادئ إلى واقع ملموس على الأرض.


