سيادة تشاغوس،عادت جزر تشاغوس الواقعة في المحيط الهندي إلى واجهة الاهتمام الدولي، بعدما كشفت صحيفة “التلغراف” البريطانية عن تحركات داخل البيت الأبيض تهدف إلى دراسة خيارات جديدة تضمن استمرار السيطرة الغربية على الأرخبيل الاستراتيجي الذي يضم قاعدة دييغو غارسيا العسكرية المشتركة بين الولايات المتحدة وبريطانيا.
وأفادت الصحيفة بأن إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعدت وثيقة تتضمن مجموعة من البدائل للتعامل مع مستقبل الجزر، في ظل الجدل المتصاعد حول خطة الحكومة البريطانية لنقل السيادة عليها إلى موريشيوس.
ويأتي ذلك في وقت تتزايد فيه المخاوف الأميركية من تنامي النفوذ الصيني في المحيط الهندي. كما يتزامن مع تصاعد التوترات الإقليمية المرتبطة بإيران، ما يضاعف أهمية القاعدة العسكرية الموجودة في الجزر.
سيادة تشاغوس،البيت الأبيض يبحث بدائل لخطة لندن
كشفت المعلومات المتداولة أن الإدارة الأميركية لا تنظر بعين الرضا إلى الخطة التي تتبناها حكومة رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر بشأن مستقبل جزر تشاغوس.
وتركز الخطة البريطانية على نقل السيادة القانونية للجزر إلى موريشيوس، مع استمرار تشغيل قاعدة دييغو غارسيا العسكرية بموجب اتفاق طويل الأمد.
لكن دوائر أميركية تعتبر أن هذه الصيغة قد تخلق تحديات أمنية مستقبلية.
ولهذا السبب، بدأت إدارة ترامب إعداد مجموعة من السيناريوهات البديلة.
وتشمل هذه السيناريوهات إمكانية التوصل إلى اتفاق خاص يمنح الولايات المتحدة نفوذاً مباشراً على الجزر.
كما تتضمن خيارات أخرى تضمن بقاء القاعدة العسكرية بعيدة عن أي تأثيرات سياسية أو قانونية قد تنشأ مستقبلاً نتيجة نقل السيادة.
وفي هذا السياق، واصل البيت الأبيض إجراء مشاورات منتظمة مع مكتب رئاسة الوزراء البريطانية.
وهدفت هذه الاتصالات إلى تنسيق المواقف بين الجانبين والحفاظ على مستقبل القاعدة العسكرية التي تمثل أحد أهم الأصول الاستراتيجية للغرب.
سيادة تشاغوس،دييغو غارسيا.. قاعدة لا يمكن الاستغناء عنها
تحتل قاعدة دييغو غارسيا موقعاً فريداً في الحسابات العسكرية الأميركية والبريطانية.
فالجزر تقع في نقطة مركزية بالمحيط الهندي.
كما تمنح القوات الغربية قدرة على الوصول السريع إلى مناطق واسعة في الشرق الأوسط وآسيا وإفريقيا.
وتستخدم القاعدة في تنفيذ عمليات عسكرية بعيدة المدى.
كذلك توفر دعماً لوجستياً واستخباراتياً للقوات الأميركية المنتشرة في عدة مناطق حول العالم.
وخلال العقود الماضية، لعبت دييغو غارسيا دوراً رئيسياً في العديد من العمليات العسكرية الأميركية.
واعتبرها خبراء الدفاع إحدى أهم القواعد الخارجية التي تعتمد عليها واشنطن في إدارة عملياتها الاستراتيجية.
ولهذا السبب، تنظر الإدارة الأميركية إلى مستقبل القاعدة باعتباره مسألة أمن قومي لا تقبل المخاطرة.
سيادة تشاغوس،مقترح شراء الجزر يصل إلى الرئيس ترامب
كشفت المصادر أن فكرة شراء جزر تشاغوس طُرحت داخل الإدارة الأميركية خلال الأشهر الأخيرة.
ورغم أن هذا الخيار لا يمثل التوجه المفضل حالياً لدى البيت الأبيض، فإنه حظي باهتمام ملحوظ داخل دوائر صنع القرار.
ووصل المقترح إلى وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت.
وبعد ذلك، نقل الوزير الملف مباشرة إلى الرئيس دونالد ترامب.
وأظهرت هذه الخطوة حجم الاهتمام الذي توليه الإدارة الأميركية للقضية.
كما عكست رغبة بعض المسؤولين في البحث عن حلول جذرية تضمن استمرار السيطرة الغربية على الأرخبيل.
وفي المقابل، لم تحدد الإدارة الأميركية حتى الآن أي قيمة مالية محتملة في حال الانتقال إلى خيار الشراء.
لكن مجرد طرح الفكرة كشف عن وجود مخاوف حقيقية من التداعيات المستقبلية لخطة نقل السيادة إلى موريشيوس.
سيادة تشاغوس،المخاوف الأميركية من النفوذ الصيني
تربط واشنطن بين ملف جزر تشاغوس والتنافس الاستراتيجي المتصاعد مع الصين.
ويعتقد عدد من المسؤولين الأميركيين أن نقل السيطرة على المياه المحيطة بالجزر إلى موريشيوس قد يفتح الباب أمام نفوذ صيني متزايد في المنطقة.
وتنظر الإدارة الأميركية إلى موريشيوس باعتبارها دولة ترتبط بعلاقات متنامية مع بكين.
كما تخشى من أن تستغل الصين أي ترتيبات جديدة لتعزيز حضورها البحري في المحيط الهندي.
وتزداد هذه المخاوف في ظل التوسع المستمر للقوة البحرية الصينية.
إذ تعمل بكين منذ سنوات على بناء شبكة من الموانئ والمنشآت البحرية في مناطق مختلفة من العالم.
ويرى خبراء الأمن أن المحيط الهندي أصبح أحد أهم ساحات التنافس بين الولايات المتحدة والصين.
ولهذا السبب، تحرص واشنطن على حماية مواقعها الاستراتيجية في هذه المنطقة الحساسة.
إيران تضاعف أهمية القاعدة العسكرية
لم تقتصر المخاوف الأميركية على الصين فقط.
بل شملت أيضاً التحديات الأمنية المرتبطة بإيران.
فمع تصاعد التوترات العسكرية في الشرق الأوسط، ازدادت أهمية قاعدة دييغو غارسيا بالنسبة للقيادة العسكرية الأميركية.
وتتيح القاعدة تنفيذ عمليات جوية بعيدة المدى ضد أهداف تقع في نطاق واسع من المنطقة.
كما توفر نقطة انطلاق للقاذفات الاستراتيجية والطائرات العسكرية الثقيلة.
وأشارت تقارير إعلامية إلى أن القاعدة لعبت دوراً مهماً في العمليات المرتبطة بالضربات التي استهدفت إيران باستخدام القاذفات الشبحية الأميركية.
ولهذا السبب، يرى المسؤولون الأميركيون أن أي تغيير في وضع الجزر قد يؤثر بصورة مباشرة على قدرات الردع الغربية.
منشآت شديدة السرية
أكد مسؤولون وخبراء بريطانيون أن قاعدة دييغو غارسيا تضم منشآت بالغة الحساسية.
وأشاروا إلى أن القاعدة تحتوي على تقنيات عسكرية واستخباراتية متطورة لا يمكن تعويضها بسهولة.
وفي هذا الإطار، قال بن جودا، المستشار السابق لوزير الخارجية البريطاني، إن القاعدة تضم مرافق شديدة السرية والأهمية.
وأوضح أن هذه المنشآت تمنح بريطانيا والولايات المتحدة قدرات استثنائية على الساحة الدولية.
وأضاف أن إعادة إنشاء منشآت مماثلة في موقع آخر ستكون عملية معقدة ومكلفة للغاية.
كما أكد أن الحفاظ على الوصول الكامل إلى هذه القاعدة يمثل أولوية استراتيجية للدولتين.
وتعكس هذه التصريحات حجم القلق داخل الأوساط الأمنية الغربية بشأن مستقبل الجزر.
خلاف متزايد بين ترامب وستارمر
شهدت الأشهر الأخيرة تبايناً واضحاً بين موقفي الرئيس الأميركي دونالد ترامب ورئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر.
فقد أبدى ترامب في البداية دعماً لخطة نقل السيادة إلى موريشيوس.
لكن موقفه تغير لاحقاً.
وجاء هذا التحول بعد خلافات مرتبطة باستخدام قاعدة دييغو غارسيا خلال العمليات العسكرية المرتبطة بالحرب التي اندلعت في الشرق الأوسط أواخر فبراير الماضي.
وبحسب التقارير، رفضت الحكومة البريطانية منح الولايات المتحدة حرية كاملة لاستخدام القاعدة في بعض العمليات العسكرية المبكرة.
وأدى ذلك إلى توتر سياسي بين الجانبين.
كما دفع ترامب إلى توجيه انتقادات متكررة إلى ستارمر.
ووصل الأمر إلى حد التشكيك في قدرته على إدارة العلاقات الخاصة بين لندن وواشنطن.
عقبات قانونية وسياسية معقدة
تواجه قضية جزر تشاغوس تعقيدات قانونية وسياسية كبيرة.
فقد واصلت موريشيوس منذ سنوات المطالبة باستعادة السيادة على الأرخبيل.
كما لجأت إلى المؤسسات والمحاكم الدولية لدعم موقفها.
ومن جانبها، تتوقع بعض الأوساط السياسية البريطانية صدور أحكام أو قرارات دولية تضغط على لندن لنقل السيادة إلى موريشيوس.
وفي الوقت نفسه، لا تستطيع الحكومة البريطانية إتمام الاتفاق بصورة نهائية دون موافقة الولايات المتحدة.
ويمنح ذلك واشنطن دوراً حاسماً في تحديد مستقبل الجزر.
مستقبل مجهول لأرخبيل استراتيجي
تضع التطورات الأخيرة جزر تشاغوس في قلب صراع دولي يتجاوز حدود الخلاف القانوني حول السيادة.
فالقضية باتت مرتبطة مباشرة بالتنافس الأميركي الصيني.
كما أصبحت جزءاً من الحسابات الأمنية المرتبطة بإيران والشرق الأوسط.
ولهذا السبب، يترقب المراقبون الخطوات المقبلة لكل من واشنطن ولندن وموريشيوس.
وفي ظل أهمية قاعدة دييغو غارسيا الاستراتيجية، يبدو أن مستقبل الجزر سيظل أحد الملفات الأكثر حساسية على أجندة الأمن الدولي خلال المرحلة المقبلة.
فبين المطالب القانونية والحسابات العسكرية والمنافسة الجيوسياسية، تبقى جزر تشاغوس نقطة ارتكاز رئيسية في معادلة النفوذ العالمي التي تشهد تغيرات متسارعة يوماً بعد يوم.


