سجون عدن تمثل اليوم التحدي الأكبر أمام استقرار العاصمة المؤقتة في ظل استمرار رصد انتهاكات حقوق الإنسان داخل مراكز احتجاز غير قانونية.
أنهت اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان نزولاتها الميدانية الأخيرة في المدينة دون تقديم إجابات شافية لأهالي الضحايا.
لم تشمل هذه الزيارات الميدانية مواقع احتجاز توصف بأنها سرية وتخضع لإشراف تشكيلات أمنية خارج هيكل وزارة الداخلية الرسمي.
أثار هذا التحرك المحدود موجة من التساؤلات حول قدرة اللجان الحقوقية على اختراق جدار الصمت المحيط بملفات الاعتقال التعسفي.
تظل قضية المخفيين والمحتجزين دون مسوغ قانوني هي العائق الأبرز أمام جهود تطبيع الأوضاع الحقوقية في المناطق المحررة.
تفاصيل النزول الميداني والمراكز المستهدفة
أوضحت إشراق المقطري عضو اللجنة الوطنية للتحقيق أن العمل الميداني شمل قائمة محددة من مراكز الاحتجاز المعروفة. تضمنت الزيارات سجن بئر أحمد وسجن معسكر النصر بالإضافة إلى أقسام الشرطة وإدارة البحث الجنائي في عدن.
شملت الجولات أيضا سجون مكافحة الإرهاب والمخدرات التي سجلت في وقت سابق ملاحظات حول طبيعة إدارتها القانونية. رغم هذه الجولات لم تصدر اللجنة حتى اللحظة تقريرا رسميا يفصل النتائج التي تم التوصل إليها من واقع المقابلات المباشرة. أكدت المقطري أن هذه المراكز تفتقر في تكوينها إلى التوصيف القانوني السليم كونها تعمل بعيدا عن إشراف القضاء المباشر. استخدام هذه المقرات في عمليات احتجاز المواطنين يعد مخالفة صريحة للمواثيق الدولية والاتفاقات التي وقعت عليها اليمن. أشارت المصادر إلى أن اللجنة لم تتمكن من دخول قاعة وضاح التي تعد واحدة من أكثر الأماكن غموضا في ملف السجون غير القانونية.
ترهيب المعتقلين وعرقلة جهود التوثيق
كشفت التحقيقات الأولية عن ممارسات ترهيب ممنهجة تعرض لها السجناء داخل سجن بئر أحمد أثناء وبعد زيارة اللجنة. تلقى عدد من المعتقلين تهديدات مباشرة من قبل أفراد الحراسة بعد إدلائهم بشهادات حول ظروف احتجازهم القاسية. تثير هذه التهديدات مخاوف جدية لدى المنظمات الدولية بشأن سلامة الشهود وقدرة الضحايا على الكلام دون خوف.
لاحظت اللجنة وجود حالات احتجاز انتهت فتراتها القانونية دون صدور أوامر إفراج أو إحالة إلى المحاكم المختصة.
تأخرت إجراءات البت في قضايا العشرات من المحتجزين بشكل غير مبرر مما يعمق المعاناة الإنسانية لذوي السجناء.
هناك معلومات تفيد بأن إدارة السجن المركزي منعت بعض النزلاء من مقابلة أعضاء اللجنة لضمان عدم توثيق شهاداتهم.
يعتبر منع المحتجزين من التواصل مع لجان التحقيق خرقا جسيما للقانون الوطني ومعايير العدالة الانتقالية.
معضلة الإخفاء القسري والأرقام الصادمة
يمثل ملف المخفيين قسرا في عدن القضية الأكثر إلحاحا وحساسية بالنظر إلى طول فترة الاختفاء وانقطاع التواصل.
تتحدث الإحصائيات الرسمية والحقوقية عن وجود نحو ثمانية وستين مخفيا قسرا من أبناء مدينة عدن منذ سنوات.
تعود معظم حالات الاختطاف والإخفاء إلى الأعوام بين2026 و2028 مع تسجيل حالات جديدة مؤخرا. يواجه أهالي المخفيين صعوبات بالغة في معرفة أماكن احتجاز ذويهم أو الحالة الصحية التي يمرون بها خلف القضبان.
يعتبر الإخفاء القسري جريمة ضد الإنسانية لا تسقط بالتقادم وتتطلب تحركا دوليا للضغط على الجهات المسؤولة عنها.
دعت اللجنة الوطنية جميع مؤسسات إنفاذ القانون إلى التحلي بالشجاعة والكشف عن مصير هؤلاء الضحايا بشكل فوري. تعتبر السيطرة المتعددة للأجهزة الأمنية العائق الأول أمام توحيد السجون وتحويلها إلى سلطة النيابة العامة والقضاء.
غياب السيطرة الأمنية وتعدد الأجهزة
تعاني عدن من تداخل في الصلاحيات بين وحدات أمنية وعسكرية لا تخضع لغرفة عمليات موحدة تحت مظلة الدولة.
أرجعت المقطري عدم القدرة على كشف الحقائق كاملة إلى غياب السيطرة الكاملة لمؤسسات إنفاذ القانون على كل المواقع. أكدت أن المرحلة المقبلة تتطلب استقرارا أمنيا وتوحيدا حقيقيا لكافة الأجهزة الأمنية تحت قيادة وزارة الداخلية.
في حال تحقق هذا الاستقرار سيتمكن المعتقلون السابقون من الظهور العلني للإدلاء بشهاداتهم حول الانتهاكات التي تعرضوا لها.
سيسمح المناخ الآمن بتحديد مواقع السجون السرية التي كان يتم نقل المعتقلين إليها بعيدا عن أعين الرقابة الحقوقية.
تؤكد اللجنة أن المعلومات حول هذه المواقع موجودة لديها مسبقا بناء على بلاغات الأهالي وإفادات الناجين من السجون.
لكن التأثير الفعلي لهذه المعلومات لن يظهر إلا بوجود حماية قانونية للمبلغين والضحايا تضمن عدم ملاحقتهم لاحقا.
توسيع نشاط اللجنة والوجهات القادمة
تواصل اللجنة الوطنية للتحقيق أعمالها في مناطق أخرى بعيدا عن عدن لتغطية كافة الانتهاكات في المحافظات اليمنية. تجري حاليا نزولات ميدانية في مناطق طور الباحة والشمايتين في محافظة تعز لرصد آثار الصراع على المدنيين.
من المقرر أن تنتقل اللجنة في المرحلة القادمة إلى الساحل الغربي لزيارة مناطق المخا وحيس والخوخة ضمن خطة عملها. تهدف هذه الزيارات إلى تكوين صورة شاملة عن حالة حقوق الإنسان في المناطق التي تسيطر عليها الحكومة المعترف بها. يظل التحدي في قدرة هذه اللجان على إصدار تقارير تدين الجناة بشكل مباشر وتدفع باتجاه المحاسبة الجنائية.
يرى مراقبون أن تعيين إشراق المقطري وزيرة للشؤون القانونية قد يساهم في دفع هذا الملف إلى واجهة القرار الحكومي. يعول المجتمع المحلي على تعزيز دور القضاء الرقابي لتفكيك منظومة السجون غير القانونية التي تضر بسمعة الدولة.
مستقبل العدالة في ملف سجون عدن
تعتبر قضية سجون عدن هي الاختبار الحقيقي لمصداقية الحكومة في حماية حقوق مواطنيها وبناء دولة النظام والقانون.
لا يمكن الحديث عن استقرار سياسي في المدينة دون إغلاق ملف الاعتقالات التعسفية وتبييض السجون من المظلومين. تتطلع الأسر التي فقدت أبناءها في مراكز الاحتجاز السرية إلى تحرك دولي يساند الجهود المحلية لكشف الحقيقة.
يجب أن تشمل التحقيقات القادمة زيارة منزل شلال شايع والمواقع التي ذُكرت في التقارير الحقوقية السابقة كأماكن احتجاز. إن بقاء هذه الملفات مفتوحة دون حلول قانونية يزيد من فجوة الثقة بين المواطن والأجهزة الأمنية القائمة.
ترسيخ قيم القانون يتطلب تقديم المتورطين في جرائم التعذيب والإخفاء إلى محاكمات عادلة وعلنية لينالوا جزاءهم. تظل العدالة هي الكلمة الفصل التي ينتظرها الجميع لإنصاف الضحايا واستعادة الحقوق المسلوبة في العاصمة المؤقتة.


